انتخابات بشري… لولا “الحكيم”!

أنطوني جعجع

هل كان قائد “القوات اللبنانية” سمير جعجع مضطراً الى الانتقال من معراب الى مدينة بشري للانخراط شخصياً الى جانب زوجته النائب ستريدا طوق والوزير جو عيسى الخوري والنائب السابق جوزيف اسحق، في معركة انتخابية ما كان يجب أن تحدث أساساً لولا متغيرات لافتة في مزاج أهل البيت الواحد وربما متغيرات أخرى داخل الحزب الواحد؟

الجواب بلى الى حد ما، على الرغم من المخاطر الأمنية التي تحوط بأي انتقال له من مكان الى آخر، اذ ان مدينة بشري ليست مدينة عادية لا في قناعاته ووجدانه، ولا في حسابات الموالي والمعارض والمحايد معاً، فهي التي مشت معه الى كل حروبه التي خاضها أو خيضت ضده، وباركت كل خطواته الناجحة منها والمتعثرة، ودخلت معه معنوياً الى السجن من دون تذمر أو شروط، وهي التي عانت، نتيجة مواقف ومبادئ سياسية وطنية متصلبة، عزلة خانقة تكاد تكون رابضة على أنفاسها حتى الآن، معتبراً أن أي تحول فيها من أي جهة سياسية معاكسة أو عائلية عائدة أو مدنية طامحة بمثابة طعنة في هيكل “القوات اللبنانية” يمكن أن تفتح الطريق أمام مشروع انقلاب متدرج قد يسقطه كما سقطت هياكل عظيمة من قبل.

وتقول مصادر قريبة من جعجع، ان خسارة “القوات” في مدينة المقدمين التي انطلق منها على رأس حفنة من الشبان الكتائبيين في ما يعرف بحرب السنتين ووصل بهم وبسواهم الى ما وصل اليه سواء في انتصاراته أو عثراته، لا يمكن أن تكون خسارة عادية يمكن أن ينظر اليها من باب المنافسة الديموقراطية التي تنسحب على كل البلدات والمدن المارونية أو معظمها، بل من باب “الثنائية” التي يمكن أن تأكل من رصيد الرجل الذي يقود بشري وجبتها حزبياً وسياسياً وشعبياً منذ نحو أربعين عاماً.

وتضيف المصادر: ان “الحكيم” لا يمكن أن يتمدد سياسياً وشعبياً وحزبياً في لبنان من أقصاه الى أقصاه، ليخسر في عرينه، مكرراً ما حدث قبل ثلاث سنوات عندما خسر مقعداً نيابياً ثميناً لمصلحة وليم طوق في خطوة فجائية طغت على حلاوة الفوز بتسعة عشر مقعداً في دوائر انتخابية عدة تمتد من الشمال الى الجنوب.

والواقع أن ما تقوله هذه المصادر ليس غريباً على معراب التي باتت تعرف أن بشري اليوم ليست بشري التي كانت تعرفها من قبل، وأن سكانها اليوم ليسوا السكان الذين كانوا لا يعترضون ولا ينتقدون ولا يجاهرون بآرائهم وانطباعاتهم سواء ما يتعلق منها بالأداء أو بأي خيار يتخذه جعجع، لا سيما الخيارات الاستراتيجية منها أو القرارات السياسية، الى جانب انتقاله من بزة القتال الى البزة المدنية التي حوّلته من ثائر قريب من الناس الى زعيم لا يمكن الوصول اليه بسهولة، سواء لأسباب أمنية أو بروتوكولية أو لانشغالات لا تجد وقتاً لسياسة الأبواب المفتوحة.

والواقع أيضاً، أن ثمة تحولاً لافتاً في مزاج الكثير من الشباب البشراوي وذهنيته، واقتناعاً بأن الوقت حان ربما للخروج من عالم الناخب الى عالم المرشح، ومن عالم المحازب الملتزم الى عالم المناصر المنفتح متخلياً عن مسار مزمن لم يكن قابلاً أو مستعداً لأي تعديل يطاول الولاء أو الانتماء من قريب أو بعيد.

ويقول أحد المراقبين المحايدين في هذا المجال، ان جعجع الذي لم يتقبل بعد خسارة مقعد نيابي في بشري لمصلحة البيت السياسي الوحيد الباقي في المدينة بعد سقوط زعامات آل جعجع ورحمة وكيروز والفاعليات الأخرى في عائلات سكر وفخري والشدياق، أي عائلة جبران طوق، لا يمكن أن يتهاون أو يتساهل حيال أي تعثر جديد في أي موقع بشراوي، سواء كان على مستوى البرلمان أو البلدية أو “لجنة جبران الوطنية” وصولاً الى المخاتير، رافضاً أن يترك أي أمر للصدفة في مكان أو للثقة المطلقة في مكان آخر.

ويضيف: ان مجرد تشكيل لائحة كاملة مضادة في المدينة واصرار أعضائها على مواصلة المنافسة حتى النهاية على الرغم مما تعرض له بعضهم من ضغوط ناعمة وخشنة، هو في حد ذاته “جرس انذار” تلقفه “الحكيم” سريعاً وانتقل الى مدينته للاشراف على العملية الانتخابية من جهة، وكسر بعض الجليد من جهة ثانية، وتوظيف هيبته حيث يجب من جهة ثالثة، محاولاً بذلك تجنيب بيئته صدمة ثانية تشبه صدمة الانتخابات النيابية الأخيرة.

وما يعزز هذا الواقع، ليس نكهة الفوز التي تحولت الى احتفالات صاخبة تدخل في اطار تنفيس الاحتقان المستمر منذ ثلاث سنوات، بل الأرقام التي سجلت بعد فرز الأصوات، اذ تبين أن الفارق بين اللائحتين لم يكن بالحجم الذي اعتاد عليه الحزب منذ تسعينيات القرن الماضي، أي منذ انتقل جعجع من الحياة العسكرية الى الحياة المدنية، وهو فارق ما كان يمكن أن تسجله لائحة عشوائية لا بيان سياسياً لها ولا برنامج عمل محدداً ولا حملة اعلامية مؤثرة ولا قوة مالية فاعلة، ولا سيلاً بشرياً جارفاً، لولا وجود خلل ما في مكان ما في هذه المنطقة المارونية الحساسة التي طالما تمسكت واحتفظت بشعبية قواتية متسامحة لا تقبل أي تعرض له لأي سبب من الأسباب.

لقد استعاد سمير جعجع في الأمس معنويات بيئته وتمكن من احتواء حال التململ التي لامست قسماً يعتد به من أنصاره ويحقق انتصاراً صافياً لا يشاركه فيه أي حليف أو خصم كما جرى في المناطق التي تحالف فيها مع حلفاء وأصدقاء وخصوم تاريخيين، مدركاً، وفق مصادر قريبة من النائب جعجع أن ما جرى كان تجربة جربئة مرت على خير، وأن المطلوب الآن ليس الغرق في نشوة الانتصار في معركة بين أهل البيت الواحد، بل النظر الى المعارضين كأفراد، وليس كمتنطحين، مارسوا حق الترشح لا فعل الخيانة، والتعامل مع النائب وليم طوق كحيثية تتغلغل في النسيج البشراوي وتتحول الى قوة سياسية لا يجوز النظر اليها أو التعامل معها من باب الاستعلاء أو الاستخفاف.

لقد عاد جعجع الى معراب وعادت ستريدا الى معقلها وانكشح غبار المعركة البلدية، ويبقى أن يطرحا بعض الأسئلة ويتلقيا الأجوبة الناجعة إذا أرادا فعلاً ألا تتسلل المدينة من بين أصابع الحزب وألا يضطر “الحكيم” دائماً الى المخاطرة بحياته ورمي كل رصيده في معركة تخاض ضده بعدما كانت كل معارك بشري تُخاض معه ومن أجله، وتناصره من دون شروط سواء كان على خطوط الدفاع أو الهجوم.

شارك المقال