لا تأتي الانتخابات البلدية هذه السنة كفصلٍ رتيب من روزنامة ديموقراطية، بل كاستحقاق يتوسط نارين: الأولى إسرائيلية ما زال دخانها يتصاعد في الجنوب على الرغم من توقف المعارك، والثانية برلمانية تستعد لاجتياح الساحة السياسية بعد أقل من عام. وفي هذا الفراغ الذي خلفته الدولة، تحوّلت البلديات إلى منصات لصراع سياسي بامتياز، وغابت عنها كل عناوين الإنماء والخدمات.
الثنائي الشيعي: معركة “الالتفاف” بعد الحرب
في بيئة لا تزال تلتقط أنفاسها من حرب استنزاف، يخوض الثنائي الشيعي انتخابات البلديات وكأنها استفتاء شعبي على خياراته السياسية والعسكرية. “حزب الله”، على وجه التحديد، يسعى إلى ترميم شرعية داخلية والتأكيد أن ما جرى لم يهزّ الالتفاف حوله. لا يهم إن كان هناك فعلاً من يحمّله المسؤولية عن التبعات – فالأهم تثبيت صورة الانسجام والتماسك قبل أن تقرع طبول الانتخابات النيابية. في هذا السياق، تبدو البلديات بمثابة “بروفا” لحسم معارك العام المقبل، وقياس منسوب الولاء الشعبي لمعالجة نقاط الضعف المحتملة.
الساحة المسيحية: اختبار أحجام وتحالفات مضطربة
أما على الضفة المسيحية، فالمعركة البلدية بدت كحلبة صراع بين “القوات اللبنانية” و”التيار الوطني الحر”، لكن بطابع وجودي لا برامجي. تحالفات غير مألوفة، وخصومات تختلط فيها السياسة بالعائلية بالمناطقية. التيار سعى إلى محو “وصمة” تحالفه مع “حزب الله” عبر شدّ عصب الشارع، فيما “القوات” استثمر في خطاب “ثقافة الحياة لتوسيع قاعدته. لكن النتائج أظهرت أن أياً من الحزبين لن يتمكن من احتكار القرار المسيحي من دون العائلات السياسية التقليدية، ما يفرض على الطرفين مراجعة استراتيجية قبل معركة المجلس النيابي المقبلة.
السنة: غياب “المستقبل” وحضور الفوضى
في المقلب السني، ولّد فراغ “تيار المستقبل” مشهداً انتخابياً غامضاً ومفتتاً، بحيث تحكم التحالفات الهجينة والفوضى الطاغية من بيروت إلى طرابلس. وعلى الرغم من كثرة الوجوه الجديدة، كانت نسبة الاقتراع المتدنية بمثابة صفعة للجميع، ورسالة واضحة: الغائب الكبير وحده قادر على قلب الموازين. أما من راهنوا على وراثة الزعامة، فقد تبيّن أن “الحريرية السياسية” لا تزال عنصراً ضامناً للتوازن الطائفي والتعددي، وغيابها يضع المناصفة أمام خطر حقيقي.
الدروز: تحالف الحسم المبكر
وحدها الساحة الدرزية بدت أكثر وضوحاً وانضباطاً. التحالف الجنبلاطي -الأرسلاني اجتاح معظم البلديات، وقدم نموذجاً لما يمكن أن يكون عليه الحال في الانتخابات النيابية المقبلة، إذا ما استمر هذا التنسيق وتُرجم إلى تفاهم سياسي راسخ. لكن الطريق إلى صناديق البرلمان يحتاج إلى قراءة دقيقة لنتائج 2022، خصوصاً في ظل التغيرات الديموغرافية والسياسية التي طرأت على الجبل.
بلديات بلا بلديات
بعيداً من الخطابات واللافتات، تكشف الانتخابات البلدية في لبنان هذا العام عن أزمة أعمق من مجرد معركة صناديق. إنها لحظة تشريح للطبقة السياسية، وتوصيف دقيق لحالة الانقسام والانفصال بين المواطنين والدولة. وبدلاً من أن تكون البلديات مساحة لخدمة الناس، تحولت إلى مختبرات للولاء السياسي ومعارك النفوذ. فهل نرى في العام المقبل مشهداً أكثر نضجاً في الاستحقاق النيابي، أم أن البلد سيبقى يتخبط في تكرار أزماته تحت شعارات مختلفة؟


