في بلدٍ يُقاوم اقتصاده الهشّ على إيقاع الأزمات المتتالية، تلوح من بعيد مؤشرات خجولة توحي بأن عجلة قطاع السيارات بدأت بالدوران مجدداً، ولو ببطء شديد، أشبه برجل ينهض من تحت الركام مستنداً الى عصا الأمل.
ففي الأشهر الأولى من العام 2025، بدأت أرقام تسجيل السيارات الجديدة في لبنان ترسم ملامح انتعاش طفيف، ربما لا يُبنى عليه الكثير اقتصادياً، لكنه على الأقل يعكس مزاجاً مختلفاً لدى شريحة من اللبنانيين. الأرقام الصادرة عن جمعية مستوردي السيارات تُظهر تسجيل 742 سيارة جديدة في آذار، مقارنة بـ734 في شباط، ما يعني أن السوق شهد نمواً ولو كان محدوداً.
غير أن الصورة تصبح أكثر وضوحاً عند النظر إلى الأرقام التراكمية: فقد ارتفع عدد السيارات الجديدة المسجلة خلال الربع الأول من العام إلى 2,325 سيارة، بزيادة لافتة تجاوزت 90% مقارنةً بالفترة نفسها من العام الماضي، حين لم يتعدَّ عدد السيارات الجديدة المسجلة 1,222. هذا الصعود المفاجئ قد يُغري البعض بقراءة متفائلة للمشهد، خصوصاً مع تحسّن المناخ السياسي واستقرار نسبي في سعر صرف الدولار، ما ساهم في كسر شيء من الجمود النفسي لدى المستهلك.
لكنّ المقارنة مع ما قبل الانهيار الاقتصادي تعيدنا إلى حقيقة مرة: خلال الربع الأول من العام 2019، سُجّل أكثر من 5,900 سيارة جديدة، أي أن السوق لا يزال يعمل بأقل من نصف طاقته التي كانت قائمة قبل الانهيار.
سوق يتنفس تحت الماء
يعاني سوق السيارات منذ العام 2019 من تراجع حاد، لم يكن سببه الانهيار المالي والنقدي وحسب، بل أيضاً تغيّر نمط حياة اللبنانيين الذين باتوا أكثر ميلاً إلى الاكتفاء بما لديهم، أو التوجّه نحو السيارات المستعملة التي باتت تُعرض بأسعار أقل نسبياً، سواء داخل السوق المحلي أو عبر الاستيراد من الخارج.
التجار، من جهتهم، يئنّون تحت وطأة ارتفاع الأكلاف التشغيلية، الرسوم الجمركية، والتعقيدات اللوجيستية في الاستيراد. أما المستهلك، فهو في موقع لا يُحسد عليه: إمّا أن يغامر بشراء سيارة جديدة بأسعار باتت خيالية، أو يستسلم لواقع سيارته القديمة ويحاول إصلاحها مراراً وتكراراً.
التحسّن السياسي: فرصة أم سراب؟
يرى بعض المراقبين والخبراء أن التحسّن النسبي في الوضع السياسي لعب دوراً في كسر الجمود، خصوصاً مع عودة بعض المغتربين واستعداده للاستثمار في السوق المحلي، ولو على نطاق ضيّق. لكنّ هذا العامل وحده لا يكفي لدفع العجلة بقوة، إذ إن المقوّمات البنيوية لإنعاش السوق لا تزال هشّة. فالدخل الفردي لم يتحسن، والمصارف لا تزال تمارس سياسة تقنين صارمة في القروض، والدعم الحكومي شبه معدوم.
الخبير الاقتصادي الدكتور زياد مرهج علق في حديث لموقع “لبنان الكبير”، على الأرقام التي تشير إلى ارتفاع في تسجيل السيارات الجديدة في لبنان، معتبراً أن هذه المؤشرات “ليست دليلاً على تعافٍ اقتصادي، بل تعكس تحرّكاً سطحياً في سوق استهلاكي مشوّه، يخضع لعوامل ظرفية أكثر من كونه مبنياً على أسس متينة”.
وقال: “صحيح أن نسبة النمو التراكمي في تسجيل السيارات الجديدة بلغت أكثر من 90% مقارنة بالعام الماضي، لكن لا يجب أن نُخدع بهذه النسبة. فنحن نقارن أرقاماً هزيلة جداً بأرقام أكثر هزالاً منها. ما زلنا نتحدث عن 2,325 سيارة فقط خلال ثلاثة أشهر، في بلد كان يسجّل نحو 6,000 سيارة في الفترة نفسها عام 2019. هذه فجوة كارثية، تُظهر كم تراجع السوق فعلياً”.
ورأى مرهج أن “التحسّن الطفيف مرتبط بعوامل مؤقتة، منها ارتفاع التحويلات من الخارج، والتسهيلات الفردية التي يقدّمها بعض شركات السيارات لزبائنه بالدولار النقدي، أو عبر القروض القصيرة الأمد من بعض المصارف الصغيرة. لكنه ليس تحسّناً مستداماً، لأن القدرة الشرائية الحقيقية لدى اللبنانيين ما زالت ضعيفة جداً”.
وأشار إلى أن “الكثير من عمليات الشراء تُسجَّل على اسم شركات صغيرة أو أفراد ميسورين يعتمدون على دولاراتهم من الخارج، وليس على قاعدة طبقة وسطى واسعة تعود الى الاستهلاك بصورة طبيعية”، معتبراً أن “السوق لا يزال هشاً وغير مستقر، وأي صدمة مالية جديدة – سواء كانت سياسية أو نقدية – قد تعيد الأرقام إلى نقطة الصفر”.
وأضاف: “قبل أن نحتفل بأي ارتفاع في تسجيل السيارات، علينا أن نُعيد النظر في طبيعة هذا السوق”.


