من لبنان إلى أوروبا وأميركا… البلديات في ميزان الديموقراطية

محمد شمس الدين

صناديق الاقتراع قد تتشابه في الشكل، لكنها تختلف جوهرياً في الوظيفة والدلالة. فالانتخابات البلدية، من حيث المبدأ، ليست مجرد آلية ديموقراطية بل مرآة تعكس طبيعة النظام السياسي، ومدى التزامه بمبدأ اللامركزية، وشكل العلاقة بين المواطن والدولة. في لبنان، تُجرى هذه الانتخابات في ظل منظومة طائفية مركزية، فيما تتنوّع التجارب حول العالم: بين من جعل من البلدية نواةً للحكم الرشيد، ومن حوّلها إلى مجرد ملحق إداري محدود الصلاحيات.

صناديق محاصصة لا صناديق خدمات

على الرغم من أن القانون ينص على إجراء الانتخابات البلدية كل ست سنوات، فإن آخر استحقاق لبناني جاء بعد ثلاث سنوات من التمديد القسري. لكن المشكلة لا تكمن في التأخير فحسب، بل في جوهر هذه الانتخابات التي غالباً ما تتحوّل إلى ساحة لتقاسم النفوذ بين الطوائف والأحزاب. فالبلدية في لبنان ليست هيئة إنمائية بقدر ما هي امتداد للزعيم، وساحة نفوذ لعائلته أو حزبه. كما تبقى هذه المجالس خاضعة لوصاية وزارة الداخلية، وتفتقر إلى التمويل المستقل، ما يجعل الحديث عن لامركزية مجرد شعار بلا مضمون.

بلديات الدول العربية

بعد الثورة، كانت تونس أول من كرّس اللامركزية في الدستور، بحيث أجرت انتخابات بلدية ديموقراطية عام 2018. غير أن المسار تعثر لاحقاً مع قرارات الرئيس قيس سعيّد بتجميد الهيئات المنتخبة، ما أعاد الأمور إلى الوراء.

في المغرب، يبرز نموذج “الجهوية المتقدمة”، بحيث تملك البلديات صلاحيات لا بأس بها، خصوصاً على الصعيد التنموي، وإن بقيت خاضعة لوصاية وزارة الداخلية. أما مصر، فلم تعرف انتخابات بلدية منذ العام 2008، على الرغم من صدور قانون جديد للإدارة المحلية عام 2019 لم يُفعّل حتى الآن.

أما في دول الخليج، فالصورة أكثر تقييداً: السعودية وقطر والامارات تُجري انتخابات جزئية أو محدودة الصلاحيات، في حين تحتفظ الكويت بهامش أوسع نسبياً من التمثيل الشعبي.

ساحة مواجهة سياسية تركية

في تركيا، تُمثّل البلديات أحد أهم أركان السلطة التنفيذية المحلية، بصلاحيات واسعة تشمل خدمات النقل والمياه والتخطيط العمراني. رؤساء البلديات يُنتخبون مباشرة ويتمتعون باستقلالية نسبية، لكنهم غالباً ما يصبحون في قلب الصراع السياسي. منذ فوز المعارضة ببلديات كبرى عام 2019، شنّت السلطة المركزية حملة مضادة لتقليص نفوذهم، سواء عبر تقييد التمويل أو تعزيز الرقابة الادارية.

أوروبا: الدولة تبدأ من القاعدة

في أوروبا، تتجلى فلسفة الحكم المحلي في أوضح صورها.

فرنسا، على سبيل المثال، تُعدّ البلديات حجر الأساس في هيكل الدولة، ولها صلاحيات واسعة تشمل التعليم، البنية التحتية، والبيئة. المجالس تُنتخب في معارك سياسية حقيقية، وتمتلك ميزانيات مستقلة، وتخضع لرقابة صارمة.

ألمانيا تترجم فيدراليتها إلى استقلال محلي فعلي. كل ولاية تنظم انتخاباتها وفق قوانينها، لكن المجالس البلدية تملك صلاحيات فعلية في الضرائب والتخطيط والمواصلات. والأهم، أن المواطن يشارك بفعالية في صياغة السياسات المحلية.

إيطاليا وإسبانيا أيضاً تمنحان البلديات دوراً محورياً في الخدمات العامة والتخطيط، مع صلاحيات واسعة للعمداء المنتخبين مباشرة من الشعب.

جمهورية مصغّرة في أميركا

أما النموذج الأميركي، فيمثّل ذروة تطور الحكم المحلي. البلديات والمقاطعات هي وحدات مستقلة في صلاحياتها الادارية والمالية، من التعليم إلى الأمن، ومن الضرائب إلى تخطيط المدن. الانتخابات تُجرى محلياً وغالباً خارج الاصطفاف الحزبي، ما يفتح المجال أمام الكفاءات والمستقلين. بل ويمكن سحب الثقة من أي مسؤول محلي عبر استفتاء شعبي، في ما يُعرف بالـ”Recall Vote” والبلديات هنا ليست أدوات تنفيذ وحسب، بل مختبرات للسياسات العامة، تحمل استقلالاً تشريعياً يتيح لها سنّ قوانين خاصة ضمن الولاية نفسها.

ما بين النموذج اللبناني المثقل بالمركزية والطائفية، والنماذج الغربية التي تمنح البلديات دوراً ريادياً في التنمية والمساءلة، تتجلى الفجوة بين ما هو قائم وما يجب أن يكون.

البلدية في لبنان اليوم ليست أكثر من صندوق محاصصة، بينما في أماكن أخرى هي مختبر سياسات، وجسر بين المواطن والدولة.

السؤال الذي يفرض نفسه: هل يمكن أن تصبح البلدية أداة إنماء لا أداة محاصصة؟ وهل تملك الدولة الشجاعة لتسليم السلطات الى المجتمعات المحلية، أم أنها ستبقى تحكم من فوق وتراقب من بعيد، بينما تُدفن صناديق الاقتراع تحت ركام الطائفية والفساد؟

شارك المقال