انتخابات الجنوب: تزكيات فوق الركام… “الناس موجوعة وبدها إصلاح”

فاطمة البسام

بين قرع طبول الانتخابات وهدير الطائرات في الأجواء، يدخل الجنوب اللبناني استحقاقه البلدي في مشهدٍ يحمل مفارقة صارخة: اقتراعٌ على وقع القصف، وتزكياتٌ في القرى التي تصمد تحت الخطر. ففي وقتٍ أعلنت وزارة الداخلية عن الجاهزية الكاملة لإجراء الانتخابات في موعدها، تشير الوقائع الميدانية إلى أن أكثر من 65 بلدة وقرية جنوبية ذهبت نحو التزكية، بفعل التفاهمات السياسية من جهة، والظرف الأمني غير المستقر من جهة أخرى.

هذا الواقع الأمني الهش، المتأزم منذ أشهر على طول الحدود الجنوبية، بفعل الاستهدافات الاسرائيلية المتكررة للمناطق اللبنانية، من مزارع شبعا إلى الناقورة، خلق مناخاً من القلق والترقّب، وجعل من تنظيم الانتخابات تحدياً بحد ذاته، ليس على مستوى التنسيق اللوجيستي وحسب، بل في قدرة الدولة على تأمين سلامة المقترعين والمرشحين في منطقة تتعرض بصورة شبه يومية لهجمات جوية ومدفعية.

وزير الداخلية والبلديات أحمد الحجار أكد في تصريح أن الوزارة “مصممة على إجراء الانتخابات” على أرض الجنوب، وأن عملية توزيع مراكز الاقتراع ولجان القيد ستُنفذ بما تراه الدولة اللبنانية ملائماً، مع التنسيق المستمر مع الدول الأعضاء في لجنة مراقبة تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار. لكنه لم يُخفِ احتمال “المناورة” في بعض القرى، في إشارة إلى إمكان نقل العملية في المناطق المهددة عسكرياً أو تأجيلها.

رؤساء البلديات يشرحون دوافع التزكية
في ظل الانقسام بين القرى التي خضعت للتزكية وتلك التي اختارت خوض الانتخابات على الرغم من المخاطر، برزت أصوات رؤساء البلديات لتُوضح الخلفيات المباشرة لهذا الواقع. فأكد رئيس بلدية الناقورة عباس عواضة، في تصريح لموقع “لبنان الكبير”، أن “البلدة ذاهبة الى التزكية كعنوان للتوافق في هذه المرحلة. الناس تعبت، موجوعة، وما بدها إلا الاصلاح”. كلمات تختصر مزاجاً شعبياً أنهكه الخوف من الحرب وضغط الأزمات المتراكمة.

أما في الخيام، حيث الدمار واسع، فأوضح رئيس البلدية عدنان عليان أن “الناس كلها مع المقاومة، لذلك اخترنا التزكية. الناس بدها ترتاح، مين قادر يطلع على الخيام وينتخب وسط هذا الدمار؟ لا مجال للمنافسات ولا للمشكلات، التوترات السياسية لا تفيد في هذه الفترة”. لكنه أشار إلى أن الخيام ستشهد انتخابات اختيارية “لأن المنافسة فيها اجتماعية وعائلية فقط”.

وفي ميس الجبل، البلدة التي كانت في مرمى النيران لأيام متتالية، أشار رئيس البلدية عبد المنعم شقير الى أن التزكية كانت خياراً فرضه الواقع الأمني، وقال لموقع “لبنان الكبير”: “الوضع صعب، التنقل خطر، ومعظم البيوت تعرض للقصف، فكان الخيار الطبيعي التوافق، وكل الناس خير وبركة”.

لكن في مقابل هذا التوجه، برزت بلدات قرّرت الذهاب إلى صناديق الاقتراع على الرغم من المخاطر، ومنها بلدة الضهيرة الحدودية، التي أصرّت على إجراء الانتخابات نتيجة عدم التوافق على لائحة واحدة بعد انقسام داخلي أعقب الحرب. وأوضح المختار السابق للبلدة علي أبو سمرا، لموقع “لبنان الكبير” أن “البلدة ستخوض المعركة الانتخابية في صور، لأنه ببساطة لم يتم الاتفاق على لائحة موحدة، وهذا الانقسام كان نتيجة التباين السياسي والاجتماعي الذي ظهر بعد الحرب”.

هكذا، يقف الجنوب اللبناني اليوم عند مفترق بين الاستحقاق الانتخابي كحقّ دستوري، والواقع الأمني كقيد يومي. بين قرى اختارت التزكية “تحت الضغط أو التوافق”، وأخرى قررت خوض المعركة ولو في الظل، تتجلى مفارقة قاسية: منطقة تعيش على خط النار، لكنها تحاول أن تمارس شكلاً من أشكال الحياة المدنية، وإن كان هشاً ومختلاً.

في بعض القرى، تحوّلت الانتخابات إلى مجرّد عبء إضافي في حياة تملؤها الخسائر والنكبات، ففازت اللوائح بالتزكية كخيار اضطراري أو كتحصيل حاصل لتوازنات محلية مغلقة. وفي أخرى، فرض الانقسام السياسي والاجتماعي بقاء الباب موارباً أمام المنافسة، ولو في ظروف قاهرة.

لكن ما يجمع كل هذه الحالات، هو أن الحرب لا توقف الانتخابات، بل تعيد تعريفها، وتختبر معناها الحقيقي. فحين يغيب الأمان، ويُختزل التمثيل بالتزكية، تصبح الديموقراطية فعل مقاومة لا مجرد آلية انتخاب. وبين التحدي الأمني، وتراجع المشاركة الشعبية، وتغوّل القوى السياسية، يبقى السؤال معلقاً: هل ننجح في حماية ما تبقى من ديموقراطية محلية، أم سنتركها تُقصف كما تُقصف قرانا؟

يذكر أن أدوار البلديات تبدلت خلال الحرب خصوصاً في القرى الجنوبية، فأصبحت أشبه بغرف عمليات مدنية، تنسّق عمليات الإخلاء، وتؤمّن الملاجئ، وتتابع أحوال السكان المحاصرين بالقصف، وتؤمّن الحد الأدنى من الاستجابة. ومع تصاعد الهجمات الاسرائيلية منذ أشهر، أثبتت البلديات دورها المحوري في التنسيق بين الأهالي والدفاع المدني، وإدارة النزوح الداخلي، وتوزيع المساعدات، وتوثيق الأضرار تمهيداً للتعويضات.

شارك المقال