المنشطات الرياضية… حين تصبح القوة قاتلة!

عمر عبدالباقي

في زوايا الأندية الرياضية، وعلى صفحات التواصل الاجتماعي، ينتشر خطر صامت يتسلل إلى أجساد الشباب، ويدّعي القوة والعضلات، لكنه يخفي خلفه انهياراً صحياً وأخلاقياً. إنه وباء المنشطات، الذي لم يعد خطره مقتصراً على الأداء الرياضي، بل تعداه إلى التهديد المباشر لصحة الانسان وقيم المجتمع.

فبين جهل البعض، وتواطؤ البعض الآخر، تُباع المنشطات في وضح النهار، من دون حسيب أو رقيب. وهنا، أطلق نقيب صيادلة لبنان الدكتور جو سلوم، صرخة مدوّية، محذراً من الانتشار المقلق لهذه الظاهرة. ودعا في بيان، “الأجهزة الأمنية والقضائية والوزارات المعنية إلى التحرّك العاجل في وجه بيع المنشطات من دون ضوابط، سواء داخل الأندية الرياضية أو عبر صفحات التواصل الاجتماعي”، مؤكداً أن هذه المواد تفتح الباب على مصراعيه أمام الإدمان، وتزيد من خطر الإصابة بالسكتات الدماغية، والنوبات القلبية، والانسداد الرئوي، وحتى القصور الكلوي.

هذه الدعوة، لم تأتِ من فراغ. فالأرقام تتحدث، والحوادث تتكرر، والشباب يسقط ضحية أوهام الجسد المثالي والانتصارات السريعة. وقد شهد لبنان في الأشهر الأخيرة حوادث خطيرة، راوحت بين نوبات هلوسة وردود فعل صحية غير متوقعة، وصولاً إلى مضاعفات كادت تودي بحياة بعض المتعاطين.

لكن المشكلة لا تقتصر على الجانب الصحي وحسب، فتعاطي المنشطات يشكل انتهاكاً صارخاً لأخلاقيات الرياضة، وخرقاً واضحاً للروح التنافسية الشريفة. وهذا ما أدركه العديد من الدول والمنظمات الدولية، فاتخذ خطوات حازمة في هذا المجال. ففي العام 1963، أصدر الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) قراراً حاسماً بمنع استخدام المنشطات، وإلغاء نتائج المسابقات التي يُثبت خلالها التعاطي، مع معاقبة اللاعبين والمدربين المتورطين. وتبعت هذا القرار سياسات صارمة من اتحادات رياضية مختلفة، سعياً الى حماية مصداقية الرياضة أولاً، وحياة الرياضيين ثانياً.

سلوم: حالات هلوسة وردود فعل صحية خطيرة

وفي حديث لموقع “لبنان الكبير”، حذّر نقيب الصيادلة من الانتشار المتزايد والخطير لتعاطي المنشطات في الأندية الرياضية، مشيراً إلى أن البلاد تشهد حالات مقلقة وغير طبيعية ناتجة عن استخدام هذه المواد، بعضها تطوّر إلى هلوسة وردود فعل صحية خطيرة لدى عدد من الشباب.

وقال سلوم: “نحن اليوم أمام واقع لا يمكن السكوت عنه. لقد شاهدنا مؤخراً حوادث عديدة غير مبرّرة، من بينها حالات اضطراب نفسي، هلوسة، وانهيارات صحية مفاجئة، وتبيّن لاحقاً أن جميعها ناتجة عن تعاطي منشطات ممنوعة تُباع غالباً خارج الأطر القانونية”.

وأكد أن هذه الظاهرة لم تعُد محصورة، بل تنتشر بصورة متسارعة وخطيرة في النوادي الرياضية، في ظل غياب الرقابة الكافية والمحاسبة الجدية للمروّجين، معتبراً أن “المشكلة الكبرى تكمن في استسهال الحصول على هذه المواد من دون وصفات أو إشراف طبي، وغالباً ما يتم تسويقها للشباب على أنها آمنة أو سريعة النتائج، بينما الحقيقة أنها مدمّرة للصحة الجسدية والنفسية على المدى القصير والطويل”.

وذكّر بأن النقابة كانت سبّاقة في دق ناقوس الخطر، وأصدرت بياناً رسمياً بهذا الخصوص، دعت فيه إلى تعاون مشترك بين وزارتي الصحة والشباب والرياضة، والأجهزة الأمنية والقضائية، لوضع حدّ لهذا التفلّت، ومحاسبة كل من يروّج أو يسهّل وصول هذه المواد إلى أيدي الشباب.

وشدد على وجوب “أن تبقى الرياضة مجالاً نقياً يعكس القيم الصحية والنفسية السليمة، وليس منصة لتدمير الأجساد والعقول. مسؤوليتنا اليوم أن نحمي أبناءنا ونحفظ صورة الرياضة من التشويه والانحراف”.

مقلد: لا سلطة لنا على الأندية

رئيس الاتحاد اللبناني للقوة والتربية البدنية، حسنين مقلد كشف في حديث لموقع “لبنان الكبير”، عن الواقع المقلق لغياب الرقابة الفعلية على الأندية الرياضية في لبنان، سواء كانت مرخصة أو غير مرخصة. وأكد أن الاتحاد لا يمتلك سلطة فعلية على هذه الأندية، مشيراً إلى أن عدد الأندية في لبنان يتجاوز الألف، ومعظمها لا يخضع لأي رقابة فعلية من الجهات الرسمية.

وأضاف مقلد: “لم تصلني أي طلبات أو شكاوى رسمية تتعلق بالأندية المرخصة أو غير المرخصة. والاتحاد لم يتلقَ حتى الآن تفعيلاً للجان فحص المنشطات أو نشاطات المكافحة بصورة جدية”.

ولفت إلى أنه سبق وأرسل كتاباً رسمياً إلى وزارتي الصحة والشباب والرياضة يوضح فيه عدم وجود سلطة للاتحاد على هذه الأندية، مؤكداً أن معظم الأندية يعمل خارج نطاق السيطرة، ما يؤدي إلى تفاقم المشكلة.

وتطرق مقلد إلى ظاهرة تعاطي المنشطات في لبنان، موضحاً أن بعض اللاعبين في الأندية غير المرخصة يقوم بفحوص خارج لبنان، في ظل غياب فحوص نشطة داخل البلاد.

ورأى أن تعاطي المنشطات لم يعد مقتصراً على الرياضيين وكمال الأجسام فقط، بل أصبح ظاهرة تنتشر حتى بين غير الرياضيين، وأضحى الموضوع بمثابة “ترند” أو موضة تُتبع، بحيث يشارك فيها أشخاص من مختلف المجالات، مثل ملك جمال لبنان الذي يتناول المنشطات لأهداف شخصية غير رياضية، قائلاً: “نحن نرفض هذه الظاهرة بشدة، ونطالب بتحرك جدي وفوري من الجهات المعنية لوضع حد لتداول هذه المنشطات ومنع وصولها إلى أيدي الشباب، حماية لصحتهم ومستقبلهم.”

ونبّه مقلد على أن المنشطات تُباع بصورة علنية عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ما يجعل التصدي لها أمراً أكثر تعقيداً، خصوصاً أن الطلب على هذه المواد ارتفع بصورة غير طبيعية، ما أثر حتى على مهنة الصيدلة.

شارك المقال