تتصاعد في الآونة الأخيرة التساؤلات حول مستقبل الدولار الأميركي ومكانته المهيمنة في النظام المالي العالمي، في ظل مؤشرات متزايدة توحي بحدوث تحوّل تدريجي – وربما وشيك – في نظام اقتصادي طالما ارتكز على قوة العملة الأميركية. وتكتسب هذه التساؤلات زخماً إضافياً في ضوء تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي أعرب عن تفضيله لدولار أضعف لتعزيز الصادرات وتحقيق مكاسب تجارية قصيرة الأمد في ظل موجة الرسوم الجمركية التي يفرضها على واردات العديد من الدول، على الرغم مما تنطوي عليه هذه المقاربة من مخاطر استراتيجية تهدد استقرار النظام المالي العالمي برمّته.
وقد يدفع هذا التوجه نحو إضعاف الدولار دولاً أخرى، لا سيما في آسيا، إلى إعادة النظر في سياساتها النقدية وتشجيع ارتفاع عملاتها مقابل الدولار، ما قد يفضي إلى تحولات ملموسة في موازين التجارة العالمية. كما أن تنامي الشكوك في استقرار الدولار يعزز المساعي الرامية إلى تنويع الاحتياطيات النقدية والبحث عن بدائل أكثر استقلالية واستقراراً.
الدولار يتراجع والصين تتحدى
تعرض الدولار لضغوط قوية خلال الأشهر الأخيرة، ويقول العديد من المحللين إن الأوضاع الاقتصادية والجيوسياسية تشير إلى استمرار تراجع قيمته. فمنذ بداية العام 2025، تضافرت عدة عوامل أدت إلى انخفاض قيمة الدولار مقابل العملات الأخرى، بحيث انخفض مؤشر الدولار الأميركي، الذي يقيس أداء العملة الأميركية مقابل سلة من العملات الأجنبية، بنسبة 7.5 في المئة حتى الآن هذا العام.
وكان هذا التراجع واضحاً خصوصاً خلال اضطرابات الأسواق العالمية في أوائل نيسان، والتي تلت إعلان ترامب عن فرض رسوم جمركية صارمة على عشرات الدول. ففي أوقات تقلبات الأسواق، ينظر المستثمرون العالميون عادة إلى الدولار كملاذ آمن، لكن الأمر لم يكن كذلك هذه المرة.
كما تشير البيانات إلى أن حصة الدولار من احتياطيات البنوك المركزية العالمية بدأت بالانحسار منذ أن بلغت ذروتها في العام 2015. ويُعزى هذا التراجع إلى عوامل عدّة، أبرزها توظيف واشنطن المكثف للدولار كسلاح في سياستها الخارجية عبر فرض العقوبات الاقتصادية. وقد تجلّى ذلك بوضوح في العقوبات المفروضة على روسيا بعد غزوها لأوكرانيا عام 2022، إذ جُمدت أصول روسية وقُطعت عن النظام المالي العالمي بقيادة الولايات المتحدة.
وعلى الرغم من فاعلية هذه الأدوات على المدى القصير، فإنها أثارت مخاوف لدى العديد من الدول التي بادرت إلى تسريع جهود بناء بدائل مالية مستقلة. وقد شهدت الأسواق بالفعل تحولات لافتة، من أبرزها مباحثات مجموعة “البريكس” بشأن إصدار عملة موحدة، وتوسيع الصين شبكات الدفع العابرة للحدود، وازدياد استخدام اليوان في التجارة مع آسيا، وإفريقيا، وأميركا اللاتينية.
ومن بين المنافسين المحتملين، تبدو الصين الأكثر جدية في سعيها الى إعادة تشكيل النظام المالي العالمي. إذ تتابع بكين عن كثب لجوء واشنطن الى العقوبات كأداة مالية، وتخشى تكرار السيناريو ذاته ضدها في حال تصاعدت التوترات حول تايوان. وفي هذا السياق، ضاعفت الصين استثماراتها في البنية التحتية المالية البديلة، ووقعت اتفاقيات تجارية لتسوية المعاملات بالرنمينبي، وعززت تعاونها المالي مع دول تسعى مثلها الى تقليص الاعتماد على الدولار.
الخطر القادم من واشنطن
على الرغم من التحديات الخارجية، فإن الخطر الأكبر على مكانة الدولار ينبع من الداخل الأميركي، وتحديداً من تفاقم العجز المالي. فقد تجاوز الدين العام الأميركي 36 تريليون دولار، أي ما يعادل نحو 123 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في العام 2024. كما تواجه استقلالية الاحتياطي الفيدرالي ضغوطاً سياسية متزايدة، لا سيما مع الانتقادات المتكررة من ترامب لرئيس الفيدرالي جيروم باول.
وفي الأسبوع الماضي، خفّضت وكالة “موديز” التصنيف الائتماني للولايات المتحدة من أعلى مستوياته، مشيرة إلى عبء دين لا يُمكن تحمله ولا تظهر مؤشرات على تراجعه. وقالت الوكالة: “فشلت الادارات الأميركية المتعاقبة والكونغرس في التوصل إلى اتفاق على إجراءات لوقف اتجاه العجز السنوي الكبير وتزايد تكاليف الفائدة”، مضيفة: “لا نعتقد أن المقترحات المالية المطروحة حالياً ستسفر عن تقليص كبير متعدد السنوات في الإنفاق الإلزامي والعجز”.
كل هذه العوامل، إلى جانب السياسات التجارية العدائية التي اتبعتها واشنطن خلال السنوات الأخيرة، أضعفت الثقة العالمية بالولايات المتحدة كمركز للاستقرار المالي. وبرزت انعكاسات ذلك فيما وصف بـ”يوم التحرر”، حين شهدت الأسواق موجة بيع مكثفة لسندات الخزانة الأميركية، وتراجعاً حاداً في قيمة الدولار، ما يعكس قلقاً متصاعداً من فقدانه مكانته كملاذ آمن عالمي.
نظام نقدي متعدد الأقطاب
لن يكون فقدان الدولار لموقعه المهيمن تطوراً عارضاً أو ذا أثر محدود. فقد مكّنت هذه الهيمنة الولايات المتحدة من تمويل عجزها بتكاليف منخفضة بفضل الطلب العالمي الكبير على أصولها المالية. وتشير التقديرات إلى أن هذه المكانة رفعت سقف الدين المستدام للولايات المتحدة بنحو 22 في المائة. ومع تآكل هذه الميزة، ستضطر واشنطن إلى مواجهة خيارات صعبة، مثل خفض الإنفاق العام أو فرض زيادات ضريبية غير شعبية.
وعلى الرغم من احتفاظ الدولار بدوره المحوري، إلا أن التحولات التراكمية تفتح الباب أمام نشوء نظام نقدي عالمي متعدد الأقطاب. إذ يمكن لليورو واليوان أن يشقّا طريقهما تدريجياً نحو تمثيل أكبر في الاحتياطيات العالمية والمعاملات الدولية. كما قد تلعب العملات الرقمية دوراً متزايداً، لا سيما في الاقتصاد الموازي الذي يمثل نحو خمس الناتج العالمي، بوصفها أدوات للتحوّط والوساطة.
وفي هذا السياق، صرّحت كريستين لاغارد، رئيسة البنك المركزي الأوروبي، بأن اليورو قادر على أن يتحول إلى بديل عملي للدولار، مشددة على أن ذلك سيوفر مكاسب استراتيجية كبيرة لدول منطقة اليورو العشرين. ورأت أن اللحظة الراهنة تمثل “فرصة اليورو العالمية”، لكنها أكدت أن تحقيق هذه المكانة يتطلب جهوداً ملموسة: من تعميق سوق رأس المال الأوروبي، وزيادة السيولة، وتعزيز البنية القانونية، إلى ترسيخ الانفتاح التجاري في إطار أمني موثوق.
ومع أن التراجع التدريجي قد لا يعكس تحولاً جوهرياً في مكانة الدولار كمحور رئيسي للنظام المالي العالمي، إلا أن حالة الحذر التي تسود الأوساط المالية العالمية تُبقي على الضغط قائماً. فحتى في حال تقليص الرسوم الجمركية أو التراجع عنها، قد لا يُمحى الأثر النفسي على الأسواق بسهولة، خصوصاً في ظل تآكل الثقة جزئياً في السياسات الاقتصادية الأميركية.
وفي ظل هذه المعطيات المتشابكة – من تباطؤ النمو إلى اضطراب الثقة – يبقى السؤال مطروحاً:
هل نحن أمام بداية تآكل تدريجي لقوة الدولار، أم مجرّد تصحيح عابر في مسار طويل من الهيمنة العالمية؟


