في بلدٍ أثقلته الأزمات، وتحوّلت فيه الدولة المركزية إلى إدارة عاجزة بالكاد تلاحق الانهيارات المتسارعة، تبرز اتحادات البلديات كإطار نظري للحلول المحلية، لكنّ واقعها اليوم بات محكوماً بتجاذبات سياسية حادّة، تتجاوز هدف التنمية إلى لعبة النفوذ والتحكّم بمفاصل القرار المحلي. فما الذي جرى لهذه الهيئات؟ وما علاقتها بالانتخابات النيابية المقبلة؟
من التعاون الانمائي إلى الانقسام السياسي
تُشكّل اتحادات البلديات في لبنان نموذجاً إدارياً لامركزياً تمّ إقراره منذ السبعينيات عبر المرسوم الاشتراعي 118/77، ويُفترض بها أن تكون تجمّعات بلدية طوعية تتشارك الخدمات العامة والمرافق الأساسية، كإدارة النفايات والصرف الصحي والطرق والمسالخ والأسواق، من خلال مجلس منتخب يضم رؤساء البلديات المعنية، ورئيس يُنتخب من بين أعضائه. ويبلغ عدد هذه الاتحادات اليوم 61 اتحاداً، وتضم 708 بلديات من أصل 1065.
في أصل الفكرة، يُفترض أن تتجاوز هذه الأطر المصالح الفئوية أو الحزبية الضيقة، وأن تعمل وفق رؤية إنمائية شاملة تربط بين المناطق. إلا أن التطبيق على الأرض أفرغ التجربة من مضمونها، إذ تحوّلت الاتحادات إلى امتدادات سياسية للأحزاب النافذة، تتحكّم في توزيع المشاريع، وتُخضع قراراتها لمعايير الولاء والخصومة.
المال السياسي.. من الفائض إلى الفتات
قبل الانهيار المالي الذي بدأ في 2019، كانت اتحادات البلديات تتلقى تحويلات سنوية تصل إلى ما يقارب 40 مليون دولار من الصندوق البلدي المستقل. هذا المبلغ كان يُشكّل أحد أبرز مصادر التمويل الثابت للاتحادات، إضافة إلى ما تحصل عليه من 10% من إيرادات البلديات الأعضاء، وهبات من منظمات دولية وسفارات مانحة.
لكن بعد الأزمة، تقلصت هذه المبالغ بصورة دراماتيكية، بحيث لم تعد تتجاوز الـ 600 ألف دولار. في المقابل، لم تُقابل هذه النكسة بإعادة هيكلة أو خطط طوارئ، بل استُثمر الفراغ المالي لفرض منطق سياسي جديد: من يسيطر على الاتحاد، يتحكّم بما تبقّى من مال، ويوجّه المشاريع، ويضع البلديات أمام خيار واضح: إما الولاء السياسي… أو الحرمان الانمائي.
الانتخابات النيابية تلوح في الأفق
تزامناً مع الانتخابات البلدية الأخيرة، اشتدّت المعركة بين القوى السياسية على رئاسة اتحادات البلديات، في محاولة للتموضع المسبق قبل الانتخابات النيابية المقبلة المقرّرة في ربيع 2026. فهذه الكيانات تملك صلاحيات تنفيذية على مستوى البلديات، ولها قدرة على تنظيم المشاريع، وترسية العقود، وتوزيع المنح. وبالتالي، فإن السيطرة عليها باتت أداة فاعلة لحشد الأصوات والتأثير في الناخبين.
ولم يعد خافياً أن بعض الأحزاب يعمل اليوم على وضع يده على أكبر عدد ممكن من الاتحادات، وتشكيل لوبيات محلية قادرة على إيصال رسائل انتخابية مفادها: “من يريد الإنماء فليمنحنا صوته نيابياً”. هكذا تحوّل الاتحاد من كيان إنمائي مشترك، إلى سلطة ظلّ انتخابية.
المعارك الصامتة داخل الاتحادات
في عدد كبير من الاتحادات، لا تُدار الأمور وفق منطق التفاهم بين البلديات، بل وفق معادلات القوة السياسية. فبعض الرؤساء يُنتخب بالتزكية بعد توافقات حزبية، فيما تشهد اتحادات أخرى معارك خفية تُستخدم فيها أدوات الضغط كافة، من الترغيب بالخدمات، إلى التهديد بوقف المشاريع.
وفي هذا السياق، يُلاحظ أن البلديات التي لم تصوّت للائحة المدعومة من جهة سياسية معينة، غالباً ما تُحرم من الحصص الاتحادية، أو تتأخر ملفاتها الإنمائية. وهذه الممارسات التي تنتشر في مناطق متعددة، تؤكد أن الادارة المحلية في لبنان لا تزال خاضعة لمنطق المركزية السياسية، حتى في الهياكل اللامركزية.
تحديات الواقع وآمال المستقبل
على الرغم من هذه الإشكالات، تبقى اتحادات البلديات من الأدوات القليلة القادرة – نظرياً – على إدارة التنمية المحلية المستدامة، خصوصاً في المناطق الطرفية والريفية. لكن تحقيق هذا الهدف يتطلب تغييرات بنيوية تتخطى التجاذب السياسي، وتذهب نحو تفعيل اللامركزية الادارية، وضمان استقلالية القرار المحلي.
ومن الضروري أيضاً إعادة النظر في مصادر تمويل هذه الاتحادات، وضمان شفافية توزيع المساعدات، بعيداً من الحسابات الحزبية والانتخابية، مع تعزيز الرقابة الادارية والمالية على أدائها.
اتحادات البلديات في لبنان تقف اليوم أمام مفترق حاسم: إما أن تتحوّل إلى أداة حقيقية للتنمية اللامركزية، تُمكّن المناطق من الصمود في وجه الانهيار، أو تبقى رهينة صراعات النفوذ والمصالح السياسية، فتفقد دورها، وتتحوّل إلى مجرد واجهة بيروقراطية لصراع الانتخابات المقبلة.


