بحر طرابلس أحمر بسبب عشوائية ذبح الأضاحي

إسراء ديب

تَزيّن كورنيش بحر الميناء في طرابلس باللون الأحمر منذ أيّام مع قرب حلول عيد الأضحى المبارك، الأمر الذي دفع روّاد الشاطئ إلى تصوير المياه التي تخرج بكمّيات كبيرة بلونٍ غير معتاد، ونشر الصور عبر مواقع التواصل للتساؤل عن هذه الظاهرة التي يُؤكّد المعنيّون بيئياً أنّها ليْست الأولى ولن تكون آخر ما يُتحفنا به التلوّث في المدينة.

يُمكن التأكيد، أنّ من رصد اللون على الكورنيش مع الرائحة النّتنة التي رافقته، يعرف جيّداً أنّه غير ناتج عن مادّة طبيعية أو كيميائية كالتي تستخدمها أحياناً وزارة الطاقة في نهر أبو علي مثلاً لاختبار المياه وتقييمها، بل هي مجموعة من مواد تخرج من “مجرور” يصبّ في البحر منذ أعوام بلا تكرير، وناتجة عن قيام أحد اللحامين في الميناء بذبح الأضاحي ورمي دمائها وفضلاتها لتصل إلى البحر بهذا الشكل المريع، ومع حلول فصل الصيف، وتوجّه عشرات المواطنين إلى السباحة عند شاطئ الميناء وخصوصاً في نقاط قريبة من المجارير، يُخشى من هذه الظاهرة وغيرها من الظواهر الملوّثة التي تُصيب البحر بلا توقّف.

ويُعلّق مدير مختبر علوم البيئة والمياه في الجامعة اللبنانية الدّكتور جلال حلواني على هذا الحدث الذي يدقّ ناقوس الخطر البيئيّ شمالاً، بالقول: “في طرابلس، هناك مسلخ بلديّ تمّ تأهيله منذ ثلاثة أعوام بدعمٍ من الهيئة العليا للإغاثة، وأغلق بعد افتتاحه بانتظار بناء المسلخ الحديث والمتطوّر، ويُفتح عند الحاجة إليه، لكنّنا لا نعرف من يفتحه أو يُغلقه، ولا رقابة عليه كما يجب، لكن ما يحدث كالمعتاد لدى لحامي طرابلس، الميناء، البدّاوي والقلمون، هو الذبح في محالهم وتصريف الدم نحو المجرور الرّئيسي الذي يصبّ بخطّيْن موجوديْن في بحر الميناء، (إمّا إلى جانب مدرسة مار الياس، أو إلى جانب جامعة بيروت العربية)، أمّا خلال الأسبوع الماضي، فباشر أحد اللحامين في الميناء بالذبح، وعلى ما يبدو أنّه ذبح أكثر من خروف وصرف الدّماء ووصلت الى المجرور قرب المدرسة، وحين تكون التيّارات الهوائية خفيفة نوعاً ما، تظهر المواد التي تخرج من المجرور، أمّا حين يزداد الموج أكثر، فتختلط المياه الحمراء بالسوداء (النّاتجة عن الصرف الصحي)، وتظهر الرائحة من دون ألوان حتّى، وفي هذا الأسبوع، لم تكن التيّارات الهوائية كثيرة فظهرت الكمّيات واضحة للعيان”.

وعن الدم وتأثير اختلاطه في المياه، يُوضح حلواني أنّه يُعدّ من النّفايات السائلة الصناعية والعضوية التي تتحلّل في مياه البحر، لكن حسب ظروف البحر، “فحتى تتحلّل النّفايات العضوية، تستهلك كلّ الأكسجين الموجود في المياه، والتي إنْ لم تتجدّد مع الموج، يُصبح التحلّل بسيطاً وخفيفاً، وعملية التحلّل كانت جيّدة بعد ظهور الهواء، لكن بالتأكيد إنّ هذا المجرور الذي يعمل من أبي سمراء مروراً بالمدينة القديمة، بولفار رياض الصلح، إلى كورنيش الميناء، عليْه الارتباط سريعاً بشبكة المجارير التي توصله إلى محطّة التكرير الموجودة عند الضفة الشمالية لنهر أبو علي وذلك لمعالجة المياه المبتذلة”.

ويُؤكّد حلواني أنّ المحطّة مجّهزة وقادرة على معالجة مياه الصرف بكاملها على حوض النّهر، “لكن خطوط تجميع الصرف الصحي غير مرتبطة ببعضها البعض وليْست متصّلة بالمحطّة، حيث يُمكن تسجيل أكثر من ستة خطوط رئيسية ترمي في النّهر مع تلوث مياه البحر الذي يفرض رائحة كريهة مع خطر السباحة بالقرب من هذه البقعة الملوّثة، ولا نغفل عن أنّ أحد الأطفال نُقل منذ فترة إلى المستشفى بعد سباحته عند الشاطئ القريب من مصبّ المجرور”، متمنياً على رئيس بلدية الميناء عبد الله كبارة، “تشديد الرّقابة على كلّ اللحامين والتأكيد على عدم التخلّص من الدّماء والمياه الخاصّة بالملحمة في المجرور، وأنْ يتمّ الذبح في المسلخ حصراً خصوصاً في موسم العيد، والأمر عيْنه بالنّسبة إلى طرابلس التي تتحمّل بدورها تفريغ الكثير من البلديات خارج نطاقها مياه الصرف المبتذلة (ولا يُعرف نوعها إذا كانت صناعية أو مدنية) نحو شبكات صرفها التي تنتهي في بحرنا”.

كما يتمنى على محافظ الشمال بالإنابة إيمان الرافعي توجيه كتاب في هذا الخصوص الى بلديات قضاءي الكورة وزغرتا لمنع تصريف مياه الصرف في شبكات طرابلس، موجّهاً نداء إلى مجلس الإنماء والإعمار “لتسريع ربط الشبكات ببعضها البعض وربطها بالخطّ الرئيسيّ الذي يصل الى محطّة التكرير كيّ تنعم المدينة بشاطئ نظيف”.

وينفي حلواني مقولة “البحر يُنظّف نفسه”، ويراها غير دقيقة “لأنّ الصرف الصحي من الملوّثات التي تحتوي على كائنات مجهرية تتحلّل في المياه المالحة خلال 24 ساعة، لكن التدفق لدينا لا ينقطع، ما يعني أنّ عملية التحلّل البيولوجية مستمرّة طيلة الوقت، وهذا ما يُفسّر الروائح، أمّا مع عملية الذبح التي تُخرج الدم وفضلات الخراف والماعز السائلة والصلبة بكمّيات كبيرة، فتحتاج إلى وقتٍ للتحلّل، ما يُؤذي الشاطئ شكلاً ومضموناً”.

ونتيجة لهذا النّشاط الملوّث، فإنّ الإنسان سيكون معرّضاً لأنواع من الأمراض بسبب تكاثر البكتيريا، كارتفاع درجات الحرارة والإسهال، الإصابة بأمراض جلدية (لتلوّث المياه بزيوت وملوّثات صناعية خطيرة قد تدخل من مسام الجلد)، والإصابة بأمراض خطيرة ومسرطنة، لأنّ المياه قد تتلوّث بالمعادن التي لا تتحلّل خصوصاً إذا كانت سامة، فتبقى وتترسّب في قعر البحر وتُشكّل غذاء للأسماك التي يأكلها الإنسان، “وللأسف بعض الصيادين يصطاد من المجرور حيث تتجمّع الأسماك لتأكل، ويبيعها على أنّها طازجة، ونحن لا ننصح بتناولها، بل ننصح بشرائها ممّن اصطادها من وسط البحر”.

وكانت الرافعي اتخذت قراراً بإقامة حظائر المواشي في مسلخ طرابلس حصراً، وإتمام عمليات ذبح الأضاحي وتوضيب اللحوم فيه خلال عيد الأضحى، وبعد رفض أصحاب الملاحم هذا القرار، نشر النّائب فيصل كرامي مقطعاً صوتياً يُؤكّد فيه حلّ هذا الموضوع وإلغاء قرار منع الذبح، ليُصدر رئيس البلدية عبد الحميد كريمة بعدها تعميماً يسمح بإقامة الحظائر لمدة 24 ساعة أمام المحال، على أنْ تكون ضمن زرائب مقفلة والتخلّص من فضلاتها دورياً والتنظيف باستمرار.

شارك المقال