في مشهد طال انتظاره، عاد مطار رفيق الحريري الدولي ليصدح بأصوات الوافدين، وعاد نبض بيروت يعلو بين ممراته التي احتضنت أكثر من نصف مليون مسافر في شهرٍ واحد فقط. أيار 2025 لم يكن شهراً عادياً في روزنامة السفر، بل كان إعلاناً صريحاً بأن لبنان يعود إلى الخريطة السياحية بكل قوّة، وأن بيروت ما زالت وجهة لا تُقاوَم.
ما يقارب 300 ألف زائر وصلوا إلى لبنان خلال أيار وحده، في رقمٍ لم يُسجّل مثيلاً له في الشهر نفسه منذ العام 2019، وكأن الأبواب قد فُتحت من جديد على موسم واعد، يُبشّر بصيفٍ استثنائي يملؤه اللقاء، العائلة، والحنين الى الوطن.
الهواء في المطار مختلف هذا العام. الطائرات تملأ المدرجات، وجدولة الرحلات لم تعرف الهدوء، وشركات الطيران كثّفت ترددها نحو بيروت كمن يعرف أن شيئاً جميلاً على وشك الحدوث. الزيادة لم تكن فقط رقمية، بل عاطفية، رمزية ووطنية.
أرقام تنبض بالحياة
560,050 راكباً عبروا من المطار واليه خلال شهر أيار – بزيادة تفوق 10% مقارنة مع السنة الماضية. أما الوافدون إلى لبنان وحدهم، فقد سجّلوا زيادة لافتة بلغت 12%. ووراء كل رقم قصة، وكل قصة حقيبة محمولة وأمل مشحون.
على الرغم من التصعيد الميداني والتهديدات الاسرائيلية التي ترافقت مع اقتراب عيد الأضحى، لم تتأثر حركة الوافدين إلى لبنان، حيث استمر الإقبال على الطائرات المتجهة إلى بيروت من المغتربين اللبنانيين والسيّاح العرب والأجانب الراغبين بقضاء عطلتهم في ربوع الوطن.
وفي هذا السياق، أكد نقيب أصحاب مكاتب السياحة والسفر جان عبود في حديث صحافي أن “رحلات مطار بيروت سارت بشكل طبيعي من دون أي إلغاء أو تعديل يُذكر”، مشيراً إلى أن “حركة المطار لا تزال ناشطة حتى اليوم”.
أما بشأن الأرقام، فأوضح عبود أن “إحصاءات شهر أيار الماضي أظهرت ارتفاعاً بنسبة 10% في حركة الطيران مقارنة بأيار 2024″، متوقعاً أن “تسجّل حركة حزيران الجاري ارتفاعاً يتراوح بين 15 و20% مقارنة بحزيران من العام الفائت”.
وفي حديث لموقع “لبنان الكبير” أوضح فادي الخوري، أحد أصحاب مكاتب السفر البارزين في بيروت، أن السوق يشهد إقبالاً متزايداً مع بداية موسم الصيف وعودة اللبنانيين في الخارج لزيارة وطنهم. وقال: “شهدنا زيادة بنسبة تقارب 25% في مبيعات تذاكر الطيران مقارنة بالفترة نفسها من العام 2024، وهذا يعكس رغبة متجددة في السفر سواء لقضاء الإجازات أو لأغراض العمل والدراسة.”
وحول الوجهات الأكثر طلباً، أكد الخوري أن أوروبا تحافظ على الريادة، لا سيما مدن باريس، روما، وبرشلونة، بينما تشهد الرحلات إلى الخليج العربي، مثل دبي والرياض، إقبالاً متزايداً نتيجة الروابط العائلية والتجارية القوية، لافتاً الى أن “الطلب على الرحلات إلى الولايات المتحدة أيضاً في ارتفاع مستمر، بسبب ارتباط المغتربين اللبنانيين بأوطانهم.”
أما عن التحديات التي تواجه السوق، فبيّن الخوري أن ارتفاع أسعار تذاكر الطيران وكلفة الإقامة والفنادق يشكل عائقاً أمام بعض المسافرين، لكنه اعتبر أن رغبة اللبنانيين في السفر وزيارة أهلهم ووطنهم ما زالت أقوى من هذه التحديات.
وفي ما يتعلق بحركة المطار، رأى الخوري أن “زيادة الرحلات والطائرات التي تمر عبر المطار تؤكد أن لبنان يتجه نحو مرحلة تعافٍ، وهذا يتطلب استمرار الاستقرار السياسي والأمني، إضافة إلى دعم البنية التحتية السياحية.”
وأشار إلى أن مكاتب السفر بدأت بتقديم عروض مغرية وتنظيم رحلات سياحية داخلية وخارجية بهدف تنشيط الحركة وتعويض فترة الركود السابقة، ما ساهم في زيادة الطلب وتنوع الخيارات أمام المسافرين.


