حرب “الحزب” على “اليونيفيل”: انقلاب على الـ 1701!

جورج حايك

بات واضحاً أن الاعتداءات المتكرّرة من بعض أهالي الجنوب اللبناني على قوات “اليونيفيل” ليست عفويّة أو مجرّد اعتراض من بعض المنزعجين على دورياتها غير المصحوبة بالجيش اللبناني، بل تأتي ضمن خطة ممنهجة أعدّها “حزب الله” للانقلاب على اتفاق وقف إطلاق النار والقرار 1701. وكنا من الأوائل الذين توقّعوا هذا السيناريو منذ توقيع “الحزب” على الاتفاق في 27 تشرين الثاني الفائت.

المتابعون لمسار الأحداث في الجنوب لا بد أنهم لاحظوا تصاعد هذه الاعتداءات، التي بدأت بصورة متقطّعة قبل أن تصبح يوميّة ومتواصلة كلّما تحرّكت قوات “اليونيفيل” للقيام بواجبها. ومن المؤكد أن هؤلاء الأهالي لا يجرؤون على تنفيذ هذه الاعتداءات لولا غطاء “الحزب”، بل إن الأمر يأتيهم كأمر عمليات، يبادرون إلى تنفيذه، وأحياناً يكشفون عن انتمائهم من خلال رفع أعلام “الحزب”، أو حتى الإدعاء بانتمائهم إليه، أو على الأقل إلى بيئته.

اللافت أن “الحزب”، الذي خرج خاسراً من الحرب مع إسرائيل، يبحث عن انتصار معيّن ولو على قوات أممية غير قتالية، مهمتها رقابية فقط، علماً أنها خدمت بيئة “الحزب” الجنوبية اجتماعياً واقتصادياً طوال فترة مهامها وحتى اليوم. لكن خبيراً في الشؤون العسكرية والاستراتيجية يرى أن ما يحصل يخدم إسرائيل أولاً، ويبرّر قصفها بنية “الحزب” العسكرية في جنوب الليطاني وملاحقتها لقيادييه الميدانيين وعناصره هناك. ويلفت إلى أن دوريات “اليونيفيل” ليست أمراً جديداً، بل هي من صلب مهامها، وليس صحيحاً أنها تجري بمعزل عن التنسيق مع الجيش اللبناني كما يدّعي أهالي “الحزب”. إنما الجديد أن هذه الدوريات أصبحت أكثر كثافة وفعالية بعد اتفاق وقف إطلاق النار، وهي تضايق “الحزب” وتهدّد ما يخفيه من سلاح وبُنى تحتية عسكرية في جنوب الليطاني. وهذه المعطيات لا تصبّ في مصلحة الحكومة اللبنانية التي تروّج أن الجيش اللبناني وضع يده على 500 موقع لـ”الحزب” في الجنوب. فهل تمّ فعلاً ضبطها أم أن “الحزب” استبدلها بأخرى؟ أين الحقيقة؟ ولماذا يُحرّض على الاعتداء على دوريات “اليونيفيل” إذا كان الجنوب خالياً من السلاح؟ وما سبب خوف “الحزب” من قوات مسالمة إذا كان بريئاً فعلاً؟

غالباً ما يروّج أهالي “الحزب” في الجنوب أن “اليونيفيل” إسرائيلية، في حين أن الجميع يعلم أنها لا علاقة لها بإسرائيل، بل دفعت ثمن القصف الاسرائيلي مراراً، وكانت ضحية كالشعب اللبناني. إلا أن “الحزب” يختلق أعداء وهميين ليسجّل انتصارات وهمية. والمفارقة أن “الحزب”، في محاولته “تهشيل” قوات “اليونيفيل”، يتقاطع مع عدوه الظاهري إسرائيل، التي أعربت عن رفضها التجديد لتلك القوات. فهل من مصلحة “الحزب” فعلاً انسحاب “اليونيفيل” من الجنوب لتكون الاعتداءات الاسرائيلية بعيدة عن الرقابة الدولية؟

يجيب الخبير العسكري: “طبعاً، لا ينظر الحزب إلى الأمور من هذه الزاوية، بل لا يريد لأي جهة، سواء محلية أو دولية، أن تعوق وجوده العسكري في الجنوب، على الرغم من غياب تكافؤ القوى مع إسرائيل، ما يبرز فشله أمام آلتها العسكرية”. ويضيف أن هناك خوفاً لدى “الحزب” من أن تتحوّل قوات “اليونيفيل” للعمل تحت الفصل السابع، وتُجبره بالقوة على الانسحاب العسكري من الجنوب. علماً أن التوجه الأميركي يميل اليوم إلى عدم التجديد للقوات الدولية، لكن استفزازات “الحزب” قد تدفع الأمور في هذا الاتجاه.

وتتوافق مقاربة الخبير مع مصادر “القوات اللبنانية”، التي ترى أن حرب “الحزب” على “اليونيفيل” تهدف إلى إخفاء سلاحه، وتضع هذا الأمر برسم الدولة اللبنانية، التي تؤكد باستمرار أن الجنوب خالٍ من السلاح، في حين يتضح أن ذلك مجرّد ادّعاء.

يبدو أن “الحزب” يكرّر السيناريو نفسه الذي اعتمده بعد حرب تموز 2006، أي الانقلاب على القرار 1701، من خلال بناء ترسانة عسكرية على الأرض التي تنتشر فيها “اليونيفيل”. ويريد شلّ قدرات هذه القوات حتى لا تعرقل مخططاته، إلا أن ما قد يحصل هو عكس ما يريده، بحيث تُدفع الدول إلى تفعيل دور “اليونيفيل” لتصبح أكثر حزماً، فتتصدى لمحاولاته إعادة عقارب الساعة إلى الوراء.

وتعتبر مصادر “القوات” أن ممارسات “الحزب” المرتبكة ترتدّ عليه، فهو يشنّ حرباً على قوات تستقصي أماكن سلاحه بسلمية، لكنه يقف عاجزاً أمام تدمير إسرائيل لمخازنه. فهل يفضّل الأسلوب الاسرائيلي العنيف على سلمية “اليونيفيل”؟

وتجيب المصادر: “إن قوات اليونيفيل موجودة في جنوب الليطاني بقرار أممي وبطلب من الدولة اللبنانية. وفي حال كسرت على الحزب، ستُحكم سيطرتها على الأرض وتنهي هيمنته، فيما تبقى الاستهدافات الاسرائيلية موضعية وستتوقف يوماً ما”.

أما المعطيات الآتية من واشنطن بشأن تجديد ولاية “اليونيفيل”، فتشير إلى أن الولايات المتحدة وإسرائيل غير متحمستين لتجديد الولاية وفق الإطار القديم، بل يُدرس خيار “اليونيفيل+”، والذي يتضمن:

  • إعادة تنظيم مهام القوة، مع التركيز على القيادة، التنسيق، والمراقبة العسكرية المستقلة، وقوة ردّ سريع، ووحدات تخصصية عند الحاجة.
  • طلب رسمي من الحكومة اللبنانية بمنع الجهات غير الحكومية، وخصوصاً “الحزب”، من حيازة أو استخدام السلاح جنوباً، دعماً لتنفيذ القرار 1559.
  • فرض حرية وصول “اليونيفيل” إلى المواقع الحساسة، مع السماح بتفتيش مشترك أو مستقل وتدمير السلاح عند العثور عليه.
  • محاسبة المعتدين على عناصر “اليونيفيل” سريعاً، وإنهاء التغطية على اعتداءات “الحزب”.
  • مراجعة الولاية كل 6 أشهر بدلاً من سنة، لتحسين الأداء والشفافية.
  • دور أميركي فاعل في البيئة الأمنية الجديدة.
  • استمرار دور إسرائيل كداعم عسكري لوقف إطلاق النار، وتشجيعها على خطوات لبناء الثقة إن التزمت بيروت بضمانات قوية.
  • فتح الباب أمام مفاوضات حدودية وأمنية ومعاهدة سلام رسمية، شرط التخلّي عن الممارسات السابقة وتشكيل قوة حفظ سلام فاعلة.

هذه هي شروط الولايات المتحدة التي اطّلع عليها موقع “لبنان الكبير” لتجديد “اليونيفيل+”، كمسار عملي أكثر مرونة وفعالية يتطلب إرادة سياسية حازمة واستعداداً لوقف التجديد إن لم تتوافر الشروط.

وعلى الرغم من “فوعة” أهالي “الحزب” الممنهجة، لن يُجدي التذاكي في تغيير المصير المحتوم لـ”الحزب”، وهو تسليم سلاحه عاجلاً أم آجلاً. وأي مغامرة جديدة قد يجرّ لبنان إليها، ستكون بمثابة كارثة وطنية، والمشكلة ليست في أن “الحزب” لم يتعلّم من حرب الطوفان وحسب، بل إنه يعاني من انعدام الرؤية والوزن والتوازن.

شارك المقال