خلاف التعيينات يطيّر جلسة الحكومة

محمد شمس الدين
الحكومة اللبنانية
رئيس الجمهورية اللبنانية جوازف عون يترأس جلسة مجلس الوزراء

في بلدٍ لا تمرّ فيه المواعيد الدستورية بسلاسة، ولا تُحسم الاستحقاقات من دون صفقات وتسويات معقّدة، تحوّلت جلسة مجلس الوزراء التي كانت مقرّرة هذا الأسبوع إلى ساحة مواجهة مؤجّلة. جلسة كان من المفترض أن تحمل معها سلّة تعيينات مالية وقضائية بالغة الحساسية، فإذا بها تُرحّل إلى الاثنين المقبل بفعل انفجار الخلافات بين القوى السياسية، لا سيّما بين أركان الحكم الثلاثة: رئيس الجمهورية جوزاف عون، رئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس الحكومة نواف سلام.

معركة نيابة الحاكم

في صلب الاشتباك السياسي، تبرز التعيينات في مصرف لبنان، وعلى رأسها نواب الحاكم الأربعة الذين انتهت ولايتهم. هنا لا يدور النقاش حول كفاءة أو تقييم، بل حول الولاءات والمرجعيات، في معركة توازي بأهميتها معارك تأليف الحكومات وتقاسم الوزارات السيادية.

يقول البعض إنه يجب تغيير كامل الفريق السابق، انسجاماً مع تعيين الحاكم الجديد كريم سعيد الذي يرغب في فريق مالي جديد لا يُثقل كاهله بإرث رياض سلامة الثقيل.

الرئيس بري يفضل التمديد لوسيم منصوري، والرئيس سلام يبدو منفتحاً على التجديد للنائب السني سليم شاهين، والرئيس عون يقبل بإبقاء النائب الأرمني ألكسندر مارديان، الا أن العقدة الأكبر تكمن في المقعد الدرزي، بحيث يرفض رئيس الحزب “التقدمي الاشتراكي” السابق وليد جنبلاط الإبقاء على بشير يقظان، المحسوب على خصمه طلال أرسلان، ويطرح اسم مكرم بو نصّار كبديل.

الإصرار على التغيير لا يأتي من باب تقاسم النفوذ وحسب، بل من خلفية أكثر خطورة: نواب الحاكم الحاليون كانوا شركاء في إدارة رياض سلامة، وبعضهم وُضع في دائرة الشبهات المرتبطة بالسياسات النقدية التي دمّرت الليرة. لذلك، فإن الإبقاء عليهم يُعدّ – بنظر المعارضين – بمثابة استمرار ضمني لمنهج سلامة، حتى في غيابه.

زاهر حمادة مقابل نصّار

أما على جبهة التعيينات القضائية، فالصراع لا يقلّ حدّة، خصوصاً في ملف تعيين المدعي العام المالي. فقد رشّح الرئيس بري القاضي زاهر حمادة لهذا المنصب الحساس، بينما عارضه وزير العدل عادل نصّار، ملوّحاً في البداية بالاستقالة في حال تم تمرير الاسم، قبل أن يتراجع تحت ضغوط متعدّدة، أبرزها رسالة غير مباشرة وصلته فحواها: “استقل إن شئت، القرار بيد الرئيس عون”.

هذا التوتّر ليس وليد اللحظة، فمنذ تقاعد القاضي علي إبراهيم، يدور الخلاف بين نصّار الذي يفضّل تعيين القاضي حبيب مزهر، وبري الذي يصرّ على حمادة. وعندما طُلب من الطرفين تقديم مرشحين بديلين، رفض كلٌ منهما التراجع.

هيئة التشريع والقضايا

في وزارة العدل أيضاً، تحتدم المنافسة على رئاسة هيئة التشريع والقضايا، وهي الهيئة التي تمثل الدولة أمام القضاء وتضبط ملفات النزاعات الكبرى. المرشحان الأبرز هما جوني قزي المدعوم من الرئيس عون، والمحامية ريما أبو خليل، التي يزكّيها الوزير نصّار. التنافس هنا يأخذ بعداً عائلياً وسياسياً في آن، خصوصاً أن أبو خليل تنتمي إلى إرث حزبي من حقبة الحرب، فيما يُنظر إلى قزي كجزء من محيط عون الاداري.

من يعطّل التعيينات… ولماذا؟

على الرغم من المشاورات المكثّفة التي دارت خلال الأيام الماضية بين الرؤساء الثلاثة وحاكم مصرف لبنان، لا يبدو أن هناك توافقاً حقيقياً. فالمعادلة باتت إما “كلّهم أو لا أحد”، ولا مؤشرات حتى الآن على تسوية تُنهي هذا الاشتباك.

تأجيل الجلسة لا يعكس خلافاً على أسماء وحسب، بل على فلسفة الحكم في لبنان: هل التعيين استحقاق إداري تُحدّده الحاجة والكفاءة أم هو فرصة لتكريس المحاصصة وتعزيز النفوذ السياسي؟

شارك المقال