من المبكر القفز الى أي استنتاجات نهائية بعد عملية “الأسد الصاعد،” لكن لا بد من أسئلة بديهية يتم تداولها على مستوى العالم ومنها على سبيل المثال لا الحصر، ماذا بقي أمام ايران، المخترقة من الداخل والخارج، قبل أن تقر بأنها خسرت حربها ضد “الشيطان الأكبر” سواء كان هو من فعل ذلك أو كانت حليفته اسرائيل؟ وماذا بقي أمام “حزب الله” قبل أن يسلم بأن ما تبقى من سلاحه ورجاله لن يعيده الى ما كان عليه، ولن يعيد الى الجمهورية الاسلامية ما كانت تعتمد عليه في حرب شد الحبال في الشرق الأوسط؟
وثمة سؤال آخر لا يقل أهمية، هل تملك ايران من السلاح النوعي والمؤلم ما يمكن أن يكبّد اسرائيل ثمناً في حجم الثمن الذي تكبّدته في عملية “الأسد الصاعد”؟ وهل تملك من القدرات الاستخباراتية ما يكفي لضرب الدولة العبرية في العمق كما أصابها أمس وأصاب “حزب الله” من قبل؟
تطرح هذه الأسئلة نفسها لأن ما فعلته اسرائيل لم يكن الأمر المفاجئ في قراءات المراقبين الاقليميين والدوليين، بل كان في عجز ايران الفاضح على جبهتين: الأولى في الشلل الذي أبدته الآلة العسكرية الايرانية في مواجهة الطيران الحربي الاسرائيلي الذي مارس دقةً استهدافية في طهران تجاوزت دقة ما مارسه في الضاحية الجنوبية، والثانية في تجاهل الايرانيين لكل الأجواء والاشارات وحتى المعلومات التي كانت تؤكد حتى لهواة السياسة، أن المحور الاسرائيلي- الأميركي لا يناور في موضوع تفكيك البرنامج النووي الايراني، وفي قرار الحؤول دون انتاج قنبلة نووية حتى لو أشعل المنطقة عن آخرها.
وأكثر من ذلك، لم تعرض طهران للوضع الاقليمي الذي أعقب عملية “السابع من أكتوبر”، ولم تتنبه، أو رفضت أن تصدق على الأقل، أنها باتت الهدف الأخير في محور الممانعة بعد سقوط بشار الأسد وانكسار “حزب الله” واختناق “حماس” وتعقل “الحشد الشعبي” وردع الحوثيين، وأن سقوطها أو تدجينها أو اعادتها الى حجمها الطبيعي بات أمراً حتمياً لا بل مطلب عالمي يكاد لا يعترض عليه أحد سواء في الصين التي أبرمت “صلحاً تجارياً” مع أميركا أو في روسيا التي اكتفت بعرض وساطة خجولة، أو في أوروبا المنزعجة من دخول المسيرات الايرانية الى الترسانات الروسية العاملة في أوكرانيا، ومن الخلايا النائمة التي يديرها “الحرس الثوري” و”حزب الله” في مجال الارهاب والتجسس والتهريب وتبييض الأموال.
ولا يسقط الأوروبيون ومعهم الأميركيون الدور الايراني في تعزيز الموجات الاسلامية بالتنسيق مع تركيا و”الاخوان المسلمين” في شكل بات يقودهم الى واحد من أمرين، الأول اما التفرج على “أسلمة” القارة العجوز، واما الدخول في “حروب أهلية” مع تصاعد الموجة اليمينية من جهة واستنهاض الكنيسة المسيحية من جهة ثانية.
اضافة الى كل ذلك، لم تقرأ طهران جيداً المداولات التي كانت تجرى داخل الوكالة الدولية للطاقة الذرية واتجاهها الى اطلاق أخطر تقاريرها في مدى عشرين عاماً، أي اتهام ايران بتجاوز التزاماتها النووية واقترابها من انتاج سلاح غير تقليدي، وهو ما كان ينتظره الرئيس دونالد ترامب لتحويل الأنظار عما يجري في لوس انجليس ومدن أميركية أخرى، تماماً كما فعل سلفه بيل كلينتون عندما دخل في مواجهة غير مبررة ضد صربيا لتحويل الأنظار عن فضيحته الجنسية مع المدربة مونيكا لوينسكي، وما كان ينتظره رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو لتحويل الأنظار عن الاحتقان الداخلي الشعبي والسياسي الذي وصل الى حد المطالبة بحل البرلمان وإسقاط حكومته، وتحقيق انجاز تاريخي يشبه الانجاز الذي حققه سلفه مناحم بيغن عندما قصف المفاعل النووي العراقي في العام ١٩٨١.
ولم تكن الدول العربية بعيدة من هذا الواقع، معتبرةً أن بقاء ايران قوية وأخطبوطية لن يكون أقل من هاجس دائم يهدد اقتصادها وأمنها وأنظمتها وحكامها وتحديداً السعودية التي تخوض مع طهران سباقاً مريراً لفرملة الهلال الفارسي الممتد من طهران الى البحر المتوسط، واستعادة النفوذ السني الذي حجّمه الايرانيون في العراق واليمن وسوريا ولبنان وفلسطين.. وليس سراً في مكان آخر أن ايران التي كانت في جو الضغوط المتواصلة على الحوثيين وحركة “حماس” وعلى الرئيس جوزاف عون وحكومة نواف سلام، عمدت الى تحريك ما تبقى من أذرعها العسكرية في المنطقة في محاولة لوضع المفاوضين الأميركيين أمام واحد من أمرين: الأول امكان الوصول الى اتفاق يحفظ ماء الوجه من جهة ويطمئن تل أبيب من جهة ثانية ويرفع العقوبات من جهة ثالثة، والثاني عرقلة أي تفاهم أو قرار يعمد الى نزع سلاح “حزب الله” وهو ما هندسه في بيروت أخيراً وزير الخارجية الايرانية عباس عرقجي، بالتزامن مع محاولة لضرب الداخل السوري من خلال الهجوم الخاطف على منطقة تلكلخ في حمص انطلاقاً من الحدود اللبنانية، وذلك في خطوتين رأت واشنطن وتل أبيب في الأولى محاولة ايرانية لضرب التقارب المتسارع بين أحمد الشرع ونتنياهو، وفي الثانية استنهاض “حزب الله” مجدداً واستخدامه في انجاز هدفين: الأول نزع الوجه الدولي عن القرار ١٧٠١ من خلال ترهيب قوات “اليونيفيل” وربما سحبها من الجنوب، والثاني لجم عهد جوزاف عون في مهده وشل قدرات جيشه اضافة الى تحويله عهداً لا يحكم في الداخل ولا يُحكم من الخارج الغربي والعربي وتحديداً من الولايات المتحدة والسعودية.
وهنا لا بد من العودة الى السؤال الأكثر الحاحاً، هل سترتدع ايران أم سترد بأي ثمن وأي وسيلة أو ذراع وفي شكل يفوق في شدته حرب المسيرات التي تكاد لا تصل الى أهدافها؟
الجواب الذي واكبته موجة صواريخ باليستية في اتجاه اسرائيل قد يكون “نعم” دائمة اذا أصرت على رفض المقترح الاميركي الذي يشترط وقف التخصيب والتخلي نهائياً عن طموحاتها النووية، و”لا” دائمة اذا وافقت على ذلك واكتفت برد مدروس واتفاق يحفظ لها بعض الهيبة ويرفع عنها بعض العقوبات.
وثمة سؤال آخر، ماذا يمكن أن يفعل “حزب الله” وهو العالق الآن بين عرّاب جريح في طهران وسلاح بائد في بيروت؟ هل يستنسخ “حرب الاسناد” ويجر اسرائيل الى استكمال نزع السلاح بالقوة، أم يدخل في حوار مع السلطة اللبنانية باعتبارها ملاذاً بديلاً من ملاذ ولاية الفقيه؟ وماذا يمكن أن يفعل الرئيسان عون وسلام أمام فرصة أخرى ثمينة تسمح بتطبيق القرار ١٧٠١ من دون التباسات أو محظورات؟
من المبكر القفز الى استنتاجات سريعة، لكن الواضح أن الآلة العسكرية الأميركية لم تقل كلمتها المباشرة بعد، وأن أذرع ايران تعرف أن أي رد منها سيعرض الدول التي تحضنها لما تعرضت له طهران وبيروت من قبل، وبينها “حزب الله” الذي بات اليوم يتيم الأب بعدما فقد حسن نصر الله ووحيداً بعدما تكسرت مخالب العرّاب الايراني، وبات يعرف أن زمن القوة الفائضة قد عاد سنوات طويلة الى الوراء.
ولا تخفي مصادر قريبة من محور الممانعة أن الحزب بات متأكداً من أن عصر المناورات قد انتهى، وأن ايران بعد غزوة “الأسد الصاعد” لن تكون كما كانت قبله، في وقت يتخوف النظام الحاكم في طهران من تحريك الشارع في شكل لا يمكن ضبطه، وفي وقت تعاني نقصاً شبه كامل في القوى القيادية والعلمية والصاروخية، معترفة في سرها بأن دورها العسكري قد ضرب بقسوة، وأن عامل التنازلات القاسية في محورها الشيعي سيبدأ عاجلاً أم آجلاً بعدما تلقت تأكيدات بأن أي هجوم آخر على ايران لن ينتهي بأقل من رأس خامنئي نفسه ولا أكثر من لوحة معلقة على أبواب الشرق الأوسط تمنع الثورة الاسلامية من الدخول اليها تحت طائلة المسؤولية.


