إشادة متأخرة بقرار حكيم

أحمد عدنان
محمد بن سلمان

في 10 مارس/آذار 2023، أصدرت المملكة العربية السعودية والجمهورية الإسلامية الإيرانية بياناً مشتركاً في بكين، برعاية صينية، أعلنتا فيه التوصّل إلى اتفاق يقضي بإعادة فتح سفارتيهما وبعثاتهما الديبلوماسية خلال شهرين. وقد مثّلت هذه الخطوة محطة بارزة في مسار ذوبان الجليد بين البلدين، وعُرفت لاحقاً باسم “مصالحة بكين”.

رأى بعض المراقبين في هذه الخطوة تراجعاً سعودياً عن قناعاتها وسياساتها، وربما تخلياً عن بعض حلفائها في المنطقة، استناداً إلى قناعة راسخة لديهم: أن إيران لن تلتزم بشرط المصالحة الأساس، وهو “احترام سيادة الدول وعدم التدخّل في شؤونها الداخلية”.

لكن مرور عامين على تلك المصالحة أثبت بُعد نظر القيادة السعودية وصواب قرارها؛ فلولا تلك المصالحة، لكانت المملكة، ودول الخليج عموماً، على الأرجح جزءاً من مسرح العمليات في الحرب الإيرانية–الإسرائيلية. وإذا حاول الطرفان المتصارعان جرّ دول الخليج إلى صراعهما، فإن المسؤولية لا تقع على هذه الدول، لأنها اختارت طريق السلم عبر “مصالحة بكين”، تحت قيادة المملكة العربية السعودية ورايتها.

بالمقارنة مع الدول، تبقى قدرة الأفراد على التحليل السياسي محدودة، والسبب الأساسي هو قلّة المعلومات – كماً ونوعاً – المتاحة لهم، مقارنة بتلك التي تتوافر لدى الدول وصنّاع القرار. وعليه، فإن الدولة غالباً ما تكون صاحبة الإدراك الأشمل والأعمق لتداعيات وتأثيرات أي سياسة جديدة أو قرار محتمل.

والأهم من ذلك، أن المملكة نجحت في تحقيق أحد أهم أهداف السياسة والحكم الرشيد، وهو: تجنيب البلاد والعباد ويلات الحرب ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً. وهو ما يعني – حكماً وقطعاً – صون دماء شعبها، وحفظ مقدّراته ومستقبله، وتوفير حياة أفضل للمواطنين والمقيمين على حدّ سواء، فقد حقّقت المصالحة السعودية – الإيرانية مصالح سعودية مباشرة على الصعيدين التنموي والاقتصادي، إذ عزّزت الاستقرار، ودعمت الجهود السعودية الطموحة في تنويع الاقتصاد، واستقطاب الاستثمارات، وتحقيق أهداف “رؤية 2030” التي تتطلّب بيئة آمنة ومزدهرة بعيداً عن التوترات والصراعات.

لقد رأينا خلال السنتين الماضيتين كيف أن ميليشيات مسلّحة أقحمت نفسها وبلدانها في الحروب التي اندلعت منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، من دون حسابات دقيقة أو مصالح واضحة، وكانت النتيجة مزيداً من الدمار والخراب والدماء.

ما جرى في المنطقة مؤخراً يكشف بوضوح طبيعة الصراع بين محوري “الممانعة” و”الاعتدال” على مدى العقدين الماضيين: ففي محور الاعتدال، الغاية هي خدمة الإنسان، أما في محور الممانعة، فالغاية هي خدمة الأيديولوجيا والمشاريع الخارجية. وشتّان بين أن تكون وطنياً أو تابعاً، وشتّان بين أن تكون مخدوماً أو خادماً، وشتّان بين أن تكون بانياً أو مخرباً.

وفوق هذا وذاك، شكّلت المصالحة رسالة غير مباشرة ولكن بالغة الوضوح الى عدة أطراف:

– إلى إيران: أن السعودية قادرة على مدّ اليد من موقع القوة لا من موقع الضعف.

– وإلى شعوب المنطقة: أن المملكة تعمل على حماية مصالحها ومصالحهم بالحكمة لا بالمغامرة.

– وإلى العالم: أن السعودية تملك قرارها السيادي وتحدّد تموضعها الاستراتيجي بناءً على مصالحها الوطنية لا على إملاءات الخارج.

– وإلى حلفائها: بأن مبادئ المملكة وقناعاتها لم تتغيّر ولم تتبدّل.

إن الأحداث الأخيرة في المنطقة تستدعي التوقّف عند ذلك القرار القديم، الذي لم ينل حقّه من الإشادة والتقدير في حينه، ربما لأنه لم يُفهم على حقيقته. لكن ما أعقبه أثبت أنه تجسيد دقيق لتعريف مجازي للسياسة والاقتصاد معاً: “الاستثمار في المستقبل”. ولا يُوفَّق لذلك إلا أهل البصيرة قبل أهل البصر، مصداقاً لقوله سبحانه وتعالى:

“فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ”.

شارك المقال