

أكد وزير العدل عادل نصّار أن “العمل على بناء دولة القانون يبقى ضرورة لا يمكن التراجع عنها، أي دولة تحصر القوة في السلطات الرسمية وأجهزتها الأمنية، تحت سقف القانون”، مشدداً على وجوب “أن يبقى القانون، وبصورة خاصة الدستور اللبناني، المرجع الوحيد لجميع اللبنانيين والمقيمين في لبنان، وأن تُمارس قواعد الديموقراطية في ظل الدستور، لا على حسابه، وأن يتساوى جميعُ اللبنانيين أمام القانون”.
كلام الوزير نصار جاء خلال الندوة التي أقامها المجلس الدستوري اللبناني تحت عنوان “اجتماع المحاكم الدستورية في المشرق”، بحضور عدد من القضاة والدستوريين، في مناسبة تعكس حرص لبنان على تعزيز دور المحاكم الدستورية في حماية القانون والدستور.
واستهل وزير العدل، كلمته بالإعراب عن تقديره العميق للمجلس ولرئيسه القاضي طنوس مشلب، شاكراً إتاحة الفرصة له للحديث من هذا المنبر بحضور والده، الرئيس الأسبق للمجلس الدستوري، الذي أكمل أمس عامه السادس والتسعين، مشيراً إلى أن “من الصعب جداً إنكار الأثر العاطفي الناتج عن هذه اللحظة”.
وقال في كلمته: “إن انعقاد هذه الندوة في هذه المرحلة الخطيرة دليل على قدرة لبنان على صون الدستور ومبادئ الجمهورية، كما يشكل في وقتٍ تشهد فيه المنطقة تقلبات دراماتيكية وحروباً خطيرة تمسّ مستقبل الشرق، دليلاً على قدرة لبنان على المحافظة على دوره الرائد في صون الدستور ومبادئ الجمهورية. وعلى الرغم من كل الظروف التي تمرّ ببلادنا وبمجتمعنا، فإن العمل على بناء دولة القانون يبقى ضرورة لا يمكن التراجع عنها، أي دولة تحصر القوة في السلطات الرسمية وأجهزتها الأمنية، تحت سقف القانون. ويجب أن يبقى القانون، وبصورة خاصة الدستور اللبناني، المرجع الوحيد لجميع اللبنانيين والمقيمين في لبنان، وأن تُمارس قواعد الديموقراطية في ظل الدستور، لا على حسابه، وأن يتساوى جميعُ اللبنانيين أمام القانون”.
وأضاف نصار: “لقد عانى المجتمع اللبناني من الانقسامات، ودفع ثمناً باهظاً نتيجةً لها، وحان الوقت لتوحُّده تحت راية الدولة، الدولة التي تكون للجميع، والضامنة للجميع. وعلى لبنان أن ينفتح على جميع الدول، ولكن من منطلق وطني لا يرى سوى المصلحة الوطنية وحماية أبنائه. فالتعاون مع الدول يجب أن ينطلق من حرص اللبنانيين على تطوير أنظمتهم والتشارك مع الآخرين من أجل غدٍ أفضل، بعيداً عن كل ما قد يعرّض أمننا وسلامة مواطنينا للخطر”.
ورأى أن “القضية التي يجب أن تجمعنا دائماً هي المصلحة الوطنية، والمصلحة الوطنية وحدها، وأخذ العبر من سلبية تلك المغامرات التي أدّت إلى شرذمة المجتمع، وتهديد السلم الأهلي، وزجّ لبنان في الحروب. لقد حان الوقت ليكون المواطن اللبناني وحده مركز اهتمامنا في جميع قراراتنا”.
وأكد أن “المجلس الدستوري، هو المرجع الذي يضمن الالتزام بنص الدستور، وهذا ما يضعه في موقع المواجهة مع قرارات السلطة التشريعية، أي في مواجهة سلطة ناتجة عن الإرادة الشعبية المباشرة. فمسؤولية المجلس كبيرة، إذ يُطلب منه أحياناً أن يعاكس خيارات تتبنّاها سلطة تتمتع بشرعية سامية. وبالفعل، ارتضينا جميعاً في لبنان، كما في دول أخرى، أن يكون هناك مجلس يسهر على حماية القانون الأعلى مرتبةً، أي القانون الدستوري، لأنه يشكّل قاعدة المحافظة على الجمهورية والديموقراطية والحقوق الأساسية للأفراد. فإذا ارتضينا بأنه لا يجوز تجاوز هذه القواعد حتى من الأكثرية النيابية، فهذا يعني، بصورة واضحة، أنه لا يجوز اعتبار الدستور وجهة نظر”.
واستذكر عبارتين: “الأولى قالها رئيس مجلس دستوري سابق في فرنسا، وجرى تكرارها مراراً، وهو Robert Badinter، عند تعيينه، إذ صارح الرئيس الفرنسي آنذاك، فرنسوا ميتران، بقوله إنه، أي Robert Badinter، يخضع لما يُسمى موجب نكران (devoir d’ingratitude)، أي أنه ملزم باتخاذ قراراته حتى وإن عاكست رغبة السلطة التي عيّنته. أما العبارة الثانية، فهي للبروفيسور Dominique Rousseau، أستاذ القانون الدستوري، عندما قال:
C’est en période de crise que le respect des droits fondamentaux est encore plus important. أي: في وقت الأزمات، تكون حماية الحقوق الأساسية أكثر أهمية”.
وأشار الى أن “لبنان مرّ، ولا يزال، بالعديد من الأزمات، لكن علينا التمسّك بالمبادئ الأساسية وحمايتها، وحماية استقلال هذا المجلس، واستقلال القضاء، واختيار الشخص المناسب في المكان المناسب، وألا نتردد في اتخاذ القرارات، ولو كانت صعبة، دفاعاً عن القانون والمبادئ الأساسية، وعن الحق، وعن لبنان واللبنانيين”، مشدداً على أن “هذا المجلس يؤدي دوراً أساسياً في ترسيخ دولة القانون، واستمرارية عمله، وكذلك إمكان توسيع صلاحياته، سواء من جهة تفسير الدستور أو من جهة توسيع الحق في مراجعته، تشكّل حجر أساس في بناء دولة القانون الحديثة والحضارية”.
وذكّر بأن “ديموقراطية لبنان وتعدديته يشكّلان ميزة خاصة جرى الحفاظ عليها في أصعب الظروف. وأكرّر ما قيل سابقاً، مع بعض التعديل، نقلاً عن Victor Hugo: إذا لم تبقَ في الشرق سوى عشر ديموقراطيات، فيكون لبنان العاشرة، أما إن لم تبقَ سوى ديموقراطية واحدة، فتكون هي لبنان”.
وختم بالقول: “أكرّر شكري لمجلسكم الكريم، ولرئيسه، على دعوتي إلى هذه الندوة، وأتمنى لكم مداولات بنّاءة. وبصفتي وزير العدل، أؤكد أنني سأبقى في تصرّفكم في كل جهد يمكن بذله لتحصين هذا المجلس وتوسيع صلاحياته”.




يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.