جنرالات الذكاء الاصطناعي في الحرب: أوهام الانتصار تفتك بالمعنويات

محمد شمس الدين

بينما تشتعل الجبهات العسكرية في المواجهة المفتوحة بين إيران وإسرائيل، تدور حربٌ أخرى، حرب رقمية يقودها “جنرالات” لا يحملون رُتَباً ولا يحملون بنادق، بل يعتلون عروشهم خلف الشاشات، مسلّحين بتطبيقات الذكاء الاصطناعي، وموهبة التزييف البصري. يُطلقون الصور والفيديوهات كما تُطلق الصواريخ، وكلّهم أمل في أن يخوضوا بها معركة معنوية حاسمة لصالح “محورهم”.

مشاهد مُعدّلة ومفبركة: طائرات F-35 إسرائيلية متفحمة، انفجارات مروّعة في تل أبيب، جثثٌ على الطرقات، عملاء موساد موثّقون على صواريخ إيرانية، ومشاهد قتلى يُعاد تدويرها من أوكرانيا وأميركا اللاتينية وأفلام هوليودية.. تُقدَّم كلّها على أنها انتصارات مباشرة من قلب المعركة، ويتم تداولها بلهفة، كأنّها حقائق قاطعة.

فمن أين تأتي هذه المواد؟ ولماذا تتكاثر بهذا الشكل المحموم؟ ثلاثة تفسيرات ممكنة:

  1. النية الحسنة الخاطئة: شبكات إعلامية غير رسمية تعتقد أنها ترفع المعنويات في جمهور المقاومة، لكنها تنتهي بتقويض الثقة والمصداقية، وترفع سقف التوقعات إلى حدّ الانهيار المعنوي الجماعي عندما تنكشف الحقيقة.
  2. هندسة نفسية معكوسة: قد يكون بعض هذه المواد جزءاً من حرب نفسية مضادة تنفذها أجهزة إسرائيلية، تُضخّم الانتصارات الوهمية حتى تنتشر، ثم تُكذَّب علناً، لزرع الإحباط والانكسار داخل جمهور الخصم.
  3. فخاخ سخرية وتوريط: خصوم إيران، سواء في الخارج أو الداخل، يضخّون محتوى زائفاً بقالب تهكميّ، لكنّه يجد طريقه إلى جمهور متعطّش لأي “إنجاز”، فيتمّ تداوله كحقيقة على الرغم من أصله المزيّف.

غير أن الكارثة الحقيقية لا تكمن في إنتاج هذا المحتوى بقدر ما تكمن في جمهورٍ يتلقّفه بلا أدنى حس نقدي. جمهورٌ يبتلع الوهم، ويبنِي عليه معنوياته، ليُصاب لاحقاً بصفعة الحقيقة. وحين يقع هذا الانكسار النفسي، لا يكون العدو خارجياً فقط، بل داخلي أيضاً… في عقول استسلمت لفوضى إعلامية بلا قيادة.

والأخطر أن من يُنتج هذا المحتوى يعلم يقيناً أنه من دون مصدر. يدرك أن لا جنرال سيتصل بـ “الأدمن” ليزوده بمعلومة، ولا منصة إعلامية موثوقة أصدرت تلك المشاهد. الرقابة على الجبهتين مشددة، والتسريبات نادرة، ومع ذلك تستمر الحسابات في نشر “الضربة الكبرى” و”العدّ التنازلي” و”الساعات المفصلية”… وكأنها تقود معركة بلا ضوابط.

هنا، تبرز الحاجة إلى الوعي. فالجمهور ليس جزءاً من غرفة العمليات، ولا شريكاً في اتخاذ القرار. هو جمهور، وموقعه الأساس هو الصمود، لا اختراع الانتصارات. دوره أن يثق، لا أن يُضلِّل. أن يكون واعياً، لا أداة بروباغندا عشوائية.

الحرب النفسية سلاح حقيقي، لكنه لا يُدار بمشاهد ملفّقة ولا بهتافات افتراضية، بل يُدار بمنهجية، وبأجهزة رسمية، وبيانات عسكرية وديبلوماسية من جهات ذات مصداقية. ما عدا ذلك؟ ضربٌ في المعنويات، وانتحار إعلاميّ جماعيّ.

البروباغندا التي تُقنعك للحظة، تُسقِطك حين تُكشَف. وفي زمن الحروب الكبرى، الصدق هو السلاح الأمتن، والوعي هو الدرع التي لا تُخترق.

نعم، في زمن الذكاء الاصطناعي، لم يعد العدو فقط من يجب مقاومته… بل باتت الحاجة ملحّة لمقاومة الجهل، مقاومة الوهم، ومقاومة انتحال النصر.

شارك المقال