مع بداية صيف هذا العام، وصل الصراع بين إيران وإسرائيل إلى مرحلة غير مسبوقة من التصعيد العسكري، لكنه بقي، على نحو لافت، بعيداً عن الصورة التقليدية للحروب. لا دبابات، لا اجتياحات برية، ولا جيوش تحتشد على الحدود. بل نشهد أول مواجهة شاملة بين دولتين في الشرق الأوسط تُخاض بصورة كاملة تقريباً عبر التكنولوجيا: صواريخ باليستية، طائرات مسيّرة، ضربات سيبرانية، وهجمات استخباراتية دقيقة. هذه ليست مجرد حرب بالوكالة أو اشتباك محدود، بل صراع مباشر، لكن من دون احتكاك جسدي بين الجنود.
تعود جذور التصعيد الحالي إلى سنوات من التوتر المتصاعد، غير أن اللحظة المفصلية جاءت في نيسان 2024، عندما شنّت إسرائيل غارة على القنصلية الايرانية في دمشق، أدت إلى مقتل عدد من كبار القادة في الحرس الثوري الايراني. ردّت طهران بعد أسابيع بهجوم غير مسبوق، شمل أكثر من 300 صاروخ وطائرة مسيّرة، أُطلقت مباشرة من الأراضي الايرانية باتجاه إسرائيل – في أول هجوم بهذا الحجم والمصدر منذ عقود.
ومنذ ذلك الحين، تدور “الحرب غير التقليدية” بين الجانبين بصورة متواصلة، عبر موجات متبادلة من الضربات الجوية والصاروخية، من دون أن تطأ أقدام الجنود أي أرض معادية، ومن دون إعلان رسمي للحرب.
طوّرت إيران في السنوات الأخيرة برنامجاً ضخماً للطائرات المسيّرة، وباتت تستخدمها كأداة رئيسية في الصراع مع إسرائيل. هذه الطائرات، زهيدة الكلفة نسبياً وسهلة التصنيع، تتيح لطهران شنّ هجمات من مسافات بعيدة وبدقة متزايدة، من دون تعريض الطيارين أو الجنود للخطر.
وتعتمد إيران على المسيرات لضرب أهداف في العمق الاسرائيلي أو لاختبار قدرات الدفاع الجوي. بعض المسيرات يُستخدم أيضاً لأغراض استطلاعية أو لتوجيه الصواريخ لاحقاً، ما يزيد من دقة الضربات.
في المقابل، تملك إسرائيل واحدة من أكثر منظومات الدفاع والهجوم تطوراً في العالم. من “القبة الحديدية” لاعتراض القذائف قصيرة المدى، إلى منظومة “حيتس” لاعتراض الصواريخ الباليستية، مروراً بقدرات هجومية تشمل طائرات شبح، صواريخ دقيقة، وطائرات مسيّرة هجومية.
إسرائيل، التي تنفّذ ضربات دقيقة داخل العمق الايراني، تُعرف بعملياتها الجراحية التي تستهدف منشآت عسكرية، مراكز بحثية، أو مواقع يُشتبه بأنها مرتبطة بالبرنامج النووي الايراني. كل هذا يتم من الجو، وغالباً من دون أن تُعلن مسؤوليتها رسمياً.
إلى جانب المواجهة في السماء، تدور حرب خفية عبر الفضاء الالكتروني. إيران وإسرائيل تتبادلان الهجمات السيبرانية بوتيرة متزايدة، تستهدف منشآت عسكرية، بنى تحتية مدنية، شبكات كهرباء، موانئ، وحتى أنظمة إعلامية.
الهجمات السيبرانية توفر وسيلة لتعطيل العدو من دون ضجيج إعلامي كبير، وغالباً ما يصعب نسبها مباشرة الى أي طرف. لكن المؤشرات تؤكد أن كلا الجانبين يملك وحدات متقدمة للقرصنة والهجمات الرقمية، تُستخدم كجزء من استراتيجية “الردع من دون تصعيد كامل”.على الرغم من خطورة المواجهة وتبادل الضربات المباشرة، لم يُسجَّل حتى الآن أي تحرك بري من القوات المسلحة في كلي البلدين.
من الصعب قياس النصر أو الهزيمة في حرب تُخاض عن بعد. فكل طرف يحقق إنجازات تكتيكية:
- إيران تثبت أنها قادرة على إيصال رسائل نارية مباشرة إلى العمق الاسرائيلي.
- إسرائيل تُظهر تفوّقاً تكنولوجياً واستخباراتياً، وتنجح في اختراق العمق الايراني.
لكن الأهم هو أن الطرفين يخوضان حرباً طويلة الأمد، تستنزف الموارد وتُبقي المنطقة في حالة توتر دائم، من دون قدرة حقيقية لأي منهما على الحسم.
الحرب الحالية بين إيران وإسرائيل تمثل نقطة تحوّل في طبيعة الصراعات الاقليمية. إنها ليست مجرد صراع سياسي أو أيديولوجي، بل مختبر حيّ لنمط جديد من الحروب، تُخاض عن بعد، عبر التكنولوجيا، ومن دون اشتباك بري مباشر.
هذا الشكل من الحرب قد يبدو “أنظف” من حيث عدد الضحايا، لكنه أخطر من حيث المدى الزمني والاستراتيجي. فطالما أن كلاً من إيران وإسرائيل يستطيع أن يضرب الآخر من دون تحمّل كلفة بشرية مباشرة، فإن احتمالات التصعيد تبقى قائمة، وقد تستمر هذه الحرب غير التقليدية لسنوات، ما لم تفرض الديبلوماسية حلاً يعيد رسم قواعد اللعبة.


