صواريخ “الاعتراض” تهدّد الجنوب والبقاع… لبنان يدفع ثمن المواجهة الاقليمية

فاطمة البسام

في خضم التصعيد العسكري المتواصل بين إيران وإسرائيل، ومع اتساع رقعة المواجهة لتشمل الأراضي السورية والعراقية وحتى المجال الجوي اللبناني، برز خطر جديد يهدد المدنيين اللبنانيين، لا يتعلق بالصواريخ الهجومية وحسب، بل بالصواريخ الاعتراضية التي تطلقها إسرائيل لاعتراض الصواريخ الايرانية، والتي كثيراً ما تسقط في الأراضي اللبنانية، لا سيما في الجنوب والبقاع.

صواريخ الاعتراض.. سلاح ذو حدّين

هذه الصواريخ التي تطلقها منظومة “القبة الحديدية” الاسرائيلية أو أنظمة دفاعية أخرى مثل “حيتس”، مصمّمة لاعتراض الصواريخ الباليستية والمتوسطة المدى في الجو، لكن ما لا يدركه كثيرون أن هذه “الوسائل الدفاعية” قد تتحول إلى تهديد مباشر، عندما تتساقط بقاياها أو أجزاء منها فوق مناطق لبنانية مأهولة، مسببة أضراراً مادية وربما بشرية.

وفي الأيام والأسابيع الأخيرة، سُجّلت عدة حالات سقوط شظايا أو صواريخ اعتراضية غير منفجرة في بلدات جنوبية وقرى بقاعية، ما أثار هلع السكان الذين وجدوا أنفسهم فجأة في قلب صراع لا يملكون فيه لا رأياً ولا خياراً.

لا إنذارات ولا حماية

بعكس إسرائيل التي تفعّل أنظمة الإنذار المبكر وتوجه مواطنيها إلى الملاجئ، يفتقد لبنان أي نظام حماية مدني، ويعيش سكان القرى الحدودية – وخصوصاً في الجنوب – وسط تهديد دائم. وما يزيد الطين بلة أن الصواريخ الاعتراضية لا تصدر عنها إنذارات مسبقة، وغالباً ما تسقط بصورة عشوائية، في أراضٍ زراعية أو بين المنازل، من دون أن يعرف أحد ماهيتها فوراً.

أحد سكان بلدة الخيام قال لموقع “لبنان الكبير”: “سمعنا دويّ انفجار قرب أرضنا، ولما وصلنا وجدنا بقايا صاروخ ضخم. لم يكن واضحاً ما إذا كان هجومياً أو اعترض في الجو، لكن الواضح أنه كان موجّهاً إلى مكان آخر وسقط هنا عن طريق الخطأ”.

الجنوب والبقاع.. خطّ النار الجديد

منطقة البقاع الشرقي والجنوب اللبناني باتا يشهدان مروراً متكرراً للصواريخ من مختلف الأنواع، وفي بعض الحالات يتقاطع المجال الجوي مع اتجاهات الصواريخ الايرانية التي تمر عبر سوريا، أو تُطلق من الأراضي العراقية أو اليمنية، ويجري اعتراضها فوق المناطق الحدودية أو فوق السلسلة الشرقية.

وبحسب خبراء عسكريين، فإن نسبة عالية من الاعتراضات تحدث فوق الأراضي اللبنانية كونها الأقرب إلى مناطق الإطلاق، ما يجعلها مساحة خطر دائم، خصوصاً عند اعتراض الصواريخ على ارتفاعات متوسطة، حيث تكون الشظايا مهددة لمناطق سكنية.

لبنان الذي يعيش واحدة من أسوأ أزماته الاقتصادية، لا يملك بنية تحتية تؤهّله للتعامل مع تهديدات كهذه، وليست هناك جهة رسمية تُصدر بيانات تحذيرية أو توجيهات للسكان. وحتى الجيش اللبناني، على الرغم من رصده لبعض الحالات، لا يملك القدرة على التدخل الفعلي في التعامل مع بقايا هذه الصواريخ أو التحقيق في مصدرها بصورة شفافة ومعلنة.

أمام هذا الواقع، يبدو أن اللبنانيين، وخصوصاً أهل الجنوب والبقاع، يدفعون ثمن المواجهة الاقليمية من دون أن يكونوا طرفاً فيها، وتتحوّل سماؤهم إلى ميدان صراع تقني وعسكري بين قوى كبرى، تهمل تماماً أمن المدنيين في المناطق الواقعة على خطوط النار.

بينما يزداد استخدام الصواريخ كوسيلة للضغط الاقليمي وتبادل الرسائل بين إيران وإسرائيل، تتساقط آثار هذا الصراع على الأراضي اللبنانية حرفياً، ويُطرح سؤال مصيري: من يحمي المدنيين؟ من يضمن ألا يسقط صاروخ اعتراضي فوق مدرسة أو مستشفى أو حي سكني؟

وفي ظل غياب المظلة الدفاعية، وانعدام التنسيق الدولي الفعّال، يخشى كثيرون أن تتحول الحوادث “العرضية” إلى كوارث حقيقية في حال استمر التصعيد، أو زادت وتيرة استخدام الصواريخ المتوسطة والبعيدة المدى.

في الوقت الذي تتصارع فيه القوى الكبرى فوق رؤوس اللبنانيين، تبقى صواريخ الاعتراض تهديداً غير محسوب العواقب. وإن كان السلاح الهجومي واضحاً في أذاه، فإن السلاح الدفاعي حين يسقط على أرضك، قد يكون أكثر غدراً. فهل تتحرّك السلطات اللبنانية لإثارة هذا الملف دولياً، أم سيُترك الجنوب والبقاع يدفعان الثمن بصمتٍ جديد؟

شارك المقال