منذ تأسيس الكيان اللبناني الحديث في عشرينيات القرن الماضي، مروراً بالاستقلال في 1943، وصولاً إلى يومنا هذا، تكررت ظاهرة لافتة في السلوك السياسي اللبناني: إضاعة الفرص، وعدم القدرة على استثمار الدعم الدولي والعربي، سواء في زمن الوفرة أو في زمن الأزمات. يندر أن نجد بلداً في هذا الاقليم تلقى هذا الكم من الدعم السياسي والمالي والديبلوماسي، ثم عجز عن ترجمة هذا الدعم إلى استقرار داخلي وإصلاح حقيقي يُبنى عليه مستقبل مستدام.
منذ نهاية الحرب الأهلية اللبنانية عام 1990، حظي لبنان بموجات متتالية من الدعم العربي والدولي لإعادة الإعمار وبناء الدولة، إلا أن معظم هذه المبادرات ذهب هباءً. مؤتمر “باريس 1″ عام 2001، و”باريس 2″ في 2002، و”باريس 3″ في 2007، كانت جميعها محاولات لمنح لبنان فرصة للنهوض الاقتصادي مقابل التزامه بإصلاحات مالية وإدارية. لكن الحكومات المتعاقبة، الخاضعة للمحاصصة الطائفية والمصالح الحزبية، فشلت في تنفيذ الشروط الأساسية لهذه المؤتمرات، فتبخّر الدعم، وتراكم الدين العام، وتعزز الفساد.
ولا ينسى اللبنانيون الدعم العربي، خصوصاً من المملكة العربية السعودية ودول الخليج، بعد اتفاق الطائف. فقد كانت تلك الدول تسعى إلى إعادة الاستقرار إلى لبنان، وموّلت مشاريع ضخمة في البنى التحتية، وفتحت أسواقها أمام اليد العاملة اللبنانية. ولكن، بدل أن يتم تعزيز مؤسسات الدولة، تم تعزيز الزبائنية السياسية، وتكريس نظام الفساد والمحسوبيات.
لم تكن مشكلة لبنان محصورة في الفشل الاقتصادي فقط، بل امتدت إلى الفشل في استغلال لحظات مفصلية لإعادة إنتاج السلطة على أسس وطنية جديدة. بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري عام 2005، أتيحت للبنان فرصة نادرة للخروج من الهيمنة السورية وبناء دولة سيّدة. خرج السوريون، وتوالى الدعم الدولي عبر المحكمة الدولية ومساعدات اقتصادية، لكن الطبقة السياسية عادت سريعاً إلى منطق الانقسامات الداخلية والمصالح الضيقة، فضيّعت فرصة إعادة تأسيس النظام السياسي على أسس حديثة.
وفي عام 2019، اندلعت انتفاضة شعبية واسعة عابرة للطوائف والمناطق، رفعت شعارات واضحة ضد الفساد و”كلن يعني كلن”. كانت لحظة تاريخية لتجديد العقد الاجتماعي بين الدولة والمجتمع. لكن النظام السياسي، المدعوم بتحالفات داخلية وخارجية، واجه هذا الحراك بالقمع والتجاهل، واستمر في سياساته وكأن شيئاً لم يكن. فأُجهضت فرصة كانت قد تُعيد للبنان بعضاً من كرامته الوطنية.
وما يضاعف من مأساة لبنان أنه في كثير من المحطات كان ضحية التفاهمات الدولية والإقليمية، سواء في الحرب الباردة أو في الصراع العربي-الاسرائيلي. فلبنان كان دائماً ساحة وليس لاعباً، وغالباً ما كان يُطلب منه دفع ثمن تفاهمات الآخرين. الطائف جاء بعد تفاهم سعودي – سوري برعاية أميركية. اتفاق الدوحة في 2008 جاء بعد تفاهم قطري – إقليمي – دولي. حتى القرارات الدولية مثل 1559 و1701 كانت تُتخذ لتلبية توازنات إقليمية ودولية، لا لتحقيق مصلحة لبنانية خالصة.
وفي كل مرة، كان يمكن للبنان أن يستفيد من هذه التفاهمات لتحصين وضعه الداخلي، لو امتلكت نخبته الحاكمة الارادة السياسية المطلوبة. لكن ضعف الدولة، وارتباط القوى اللبنانية بالخارج، وانعدام الثقة بين المكونات الداخلية، أفشلت دائماً فرصة البناء على أي تسوية.
اليوم، يقف لبنان أمام فرصة جديدة. هناك مسار دعم واضح من دول عربية كالسعودية ومصر وقطر، إضافة إلى فرنسا والولايات المتحدة، لكنه مشروط بحل معضلة سلاح “حزب الله” والاصلاحات الضرورية والعلاقة مع سوريا.
المجتمع الدولي لم يعد مستعداً لتقديم الدعم من دون مقابل. والمفارقة أن الطبقة السياسية ما زالت تمارس السياسات القديمة نفسها: تقاسم الحصص، تعطيل الاستحقاقات، إدارة الانهيار بدل معالجته، انتظار “التفاهم الاقليمي” لتتحرك. وكأنها لم تتعلم شيئاً من كل ما حدث خلال العقود الماضية.
المعادلة اليوم واضحة: لبنان أمام فرصة أخيرة لإنقاذ نفسه، لكن هذا الإنقاذ لا يمكن أن يأتي من الخارج فقط، بل يجب أن يُصنع من الداخل. لا يمكن لأي تفاهم عربي أو دولي أن يحل مكان إرادة داخلية جدية لتغيير قواعد اللعبة. إذا لم يلتقط اللبنانيون – قيادةً وشعباً – هذه اللحظة، فقد يجد البلد نفسه على هامش التاريخ، في عزلة دائمة، وتحت وصاية معلنة.
إن إضاعة الفرص لم يعد ترفاً، بل صار تهديداً وجودياً. والمسؤولية لم تعد فقط على النخبة السياسية، بل على المجتمع بأسره، وعلى من تبقى من المؤسسات، وعلى القوى الحية التي ما زالت تناضل من أجل بقاء هذا الوطن.


