“موديز”: لا إنقاذ للبنان قبل إعادة هيكلة الدين

هدى علاء الدين

شكلت المراجعة الدورية الأخيرة التي أجرتها وكالة “موديز” لتصنيفات لبنان السيادية محطة مفصلية جديدة في المشهد المالي للبلاد، إذ أعادت تسليط الضوء على عمق الأزمة الاقتصادية التي تعصف بلبنان منذ أكثر من خمس سنوات. وعلى الرغم من أن الوكالة لم تُقدِم على تعديل التصنيف السيادي، الذي لا يزال عند أدنى مستوياته الممكنة (C)، فإن تقريرها جاء ليؤكد أن البلاد لا تزال غارقة في أزمة متعددة الأبعاد.

التصنيف “C”، الذي أبقت عليه “موديز”، لا يُعدّ مجرد رمز في سلّم التصنيفات الائتمانية، بل هو انعكاس لواقع مرير يعيشه لبنان. فقد أشار التقرير إلى أن حاملي السندات اللبنانية قد يتكبّدون خسائر تتجاوز 65 في المئة من قيمة استثماراتهم، في ظل تعثر سيادي متواصل منذ آذار 2020 لم يُعالَج حتى اليوم بصورة فعلية.

ومع تولي حكومة نواف سلام مهامها مطلع العام 2025، بدأ يلوح بعض المؤشرات الأولية على وجود نية لإطلاق مسار إصلاحي جديد. وتُعد التعديلات التي أقرها البرلمان اللبناني في 24 نيسان على قانون السرية المصرفية – والتي تتيح للجهات التنظيمية الاطلاع على سجلات مصرفية تعود إلى عشر سنوات – بالاضافة إلى مشروع قانون إعادة هيكلة القطاع المصرفي الذي أقره مجلس الوزراء في 12 نيسان، ويهدف إلى حماية صغار المودعين خلال عملية إعادة الهيكلة، خطوات رئيسية باتجاه تلبية شروط المانحين. غير أن هذه الخطوات، على الرغم من رمزيتها، لا تزال في طور النوايا أكثر مما هي إجراءات ملموسة، خصوصاً في ظل استمرار الخلافات السياسية حول آلية توزيع الخسائر بين الدولة، ومصرف لبنان، والمصارف، والمودعين.

ويعكس تقييم “القوة الاقتصادية” للبنان عند مستوى “caa2” الانكماش الاقتصادي الحاد وانهيار النموذج الاقتصادي السابق القائم على تدفقات الأموال الخارجية. أما تقييم “قوة المؤسسات والحوكمة” عند مستوى”ca” فيعكس سجلاً من ضعف جودة المؤسسات وفعالية السياسات، على الرغم من بوادر زخم إصلاحي جديد. ويُقيَّم الوضع المالي للدولة عند “ca” كذلك، في ظل موازنة حكومية مثقلة بالديون، ما يدعم توقع الوكالة بتحقيق خسائر كبيرة للدائنين بمجرد إعادة هيكلة الدين.

ويعكس تقييم “موديز” لمستوى تعرّض لبنان للمخاطر (“ca”) ضعفاً شديداً في الجوانب التالية: المخاطر السياسية، مخاطر السيولة الحكومية، مخاطر القطاع المصرفي، والمخاطر الخارجية – وهي جميعها جوانب من المتوقع أن تتحسن فقط بعد إنجاز عملية إعادة الهيكلة.

وأشارت “موديز” إلى أن أي دعم خارجي أو تمويل من صندوق النقد الدولي يبقى رهناً بتحقيق إصلاحات فعلية، وفي مقدمها إعادة هيكلة الدين العام، وهو ملف تتجنبه السلطات اللبنانية منذ سنوات خشية التداعيات الاجتماعية والسياسية. ويُقدَّر حجم الخسائر المتراكمة في المنظومة المالية بأكثر من 70 مليار دولار، وسط غياب أي اتفاق داخلي حول كيفية تقاسم هذه الخسائر.

وعلى الرغم من الصورة القاتمة، لم يُغلق التقرير الباب أمام احتمال تعافٍ جزئي. فقد توقعت الوكالة أن يسجل الاقتصاد اللبناني نمواً بنسبة 2.5 في المئة في العام 2025، يرتفع إلى 3.5 في المئة في 2026، شرط أن يحافظ البلد على استقرار أمني نسبي، وأن تمضي الحكومة قدماً في تنفيذ الاصلاحات.

أما على صعيد التصنيف السيادي، فقد شددت “موديز” على أن أي تعديل إيجابي مستقبلي لن يكون مطروحاً قبل إنجاز إعادة هيكلة شاملة للدين العام. وربطت أي تحسّن لاحق بوتيرة الاصلاح المالي، ومدى قدرة الدولة على زيادة إيراداتها، والانتقال إلى نموذج اقتصادي جديد أكثر استدامة، بعيداً عن الاعتماد المفرط على التدفقات المالية الخارجية.

وعلى الرغم من قتامة التصنيف، يشير بعض المؤشرات إلى حراك إيجابي محدود في السوق المالية اللبنانية. فقد شهد سعر صرف الليرة استقراراً نسبياً في السوق الموازية، محافظاً على هامش ضيق تراوح بين 89,600 و89,700 ليرة للدولار، في ظل تحسن نسبي في احتياطيات مصرف لبنان من العملات الأجنبية، والتي بلغت 11.3 مليار دولار نهاية حزيران 2025، بزيادة قدرها نحو 1.2 مليار دولار منذ مطلع العام. وتعزى هذه الزيادة إلى تدفقات موسمية من السياحة وتحويلات المغتربين، بالاضافة إلى تشدد المصرف في إدارة السيولة.

ومن اللافت أيضاً استمرار اهتمام الأسواق الدولية بسندات اليوروبوند اللبنانية، التي سجّلت طلباً أجنبياً متزايداً للأسبوع الثالث على التوالي، مدفوعاً بتوقعات سياسية أكثر منها اقتصادية، في ظل الحديث عن احتمال إحياء المفاوضات مع صندوق النقد الدولي أو حدوث تغييرات جوهرية على مستوى الحكومة. وقد ارتفعت أسعار هذه السندات إلى نحو 19 سنتاً للدولار، بعد أن كانت عند 16 سنتاً قبل أسابيع، في إشارة إلى مراهنات متزايدة على احتمال تخفيض المخاطر في المدى المتوسط.

باختصار، يؤكد تقرير “موديز” أن مسار التعافي في لبنان لا يزال محفوفاً بالتعقيدات، وسيكون أي رفع مستقبلي للتصنيف السيادي للبنان بعد إعادة الهيكلة رهناً بسرعة الاصلاحات المالية والمؤسسية، وقدرة الدولة على زيادة الايرادات، وتكيّف الاقتصاد مع نموذج نمو جديد. كما أن أحد الشروط الأساسية لتحسين التصنيف بصورة كبيرة هو أن تتطور العوامل الرئيسية التي تؤثر على ديناميكية الدين العام في البلاد – مثل النمو الاقتصادي، أسعار الفائدة، الالتزامات الطارئة الناتجة عن المؤسسات العامة الخاسرة، والقدرة على تحقيق فوائض أولية كبيرة والمحافظة عليها – بطريقة تضمن استدامة الدين في المستقبل، وتقلل من احتمالات تكرار التخلّف عن السداد.

شارك المقال