منذ حرب عام 1975 وحتى نهاية عام 2024، واستمراراً إلى اليوم، نشهد تاريخاً من الدماء والدمار والمجازر والمقابر والثأر والنقمة والغضب والانهيار الاجتماعي والاقتصادي، وقد وصل هذا الأخير إلى الحضيض بما يُسمى “اقتصاد الكاش”.
في ظل هذا الواقع، جاءت زيارة المبعوث الأميركي توم باراك للحصول على جواب الدولة اللبنانية عن أسئلته التي تركها للرؤساء الثلاثة في زيارته السابقة. إذ كان من المفترض حصوله على جواب الدولة، فإذا به يحصل على أجوبة قُدمت مجتمعة بما سُمي “رد الدولة”!
بعد لقاء باراك مع الرؤساء الثلاثة، أدلى بعدة تصريحات رأى بعض المتابعين فيها جانباً من الايجابية، في حين رأى آخرون أنها تتطلّب توضيحاً وتدقيقاً. وعلى عكس هذا التباين في الآراء، عبّر المسؤولون الثلاثة عن اعتبارهم اللقاء مع باراك إيجابياً للغاية، والذي من جهته أشاد بحرفية دولة السفير نبيه بري، ممثّلاً لدولة “حزب الله”!
بعيداً عن تعدد الآراء حول تصريحات توم باراك، فإنني من جهتي لم أجد أي جانب إيجابي في مضمون ما جاء على لسانه، وخصوصاً في النقاط التالية:
مسألة الدمج بين الدولة اللبنانية و”حزب الله”، إذ بدا وكأن مسؤولية ضبط الحزب باتت ملقاة على عاتق الدولة اللبنانية وحدها.
قال باراك حرفياً: “نحن لا نملي على لبنان ما يجب فعله مع حزب الله، فالمسؤولية لا تقع على عاتق الولايات المتحدة ولا على المجتمع الدولي”، مضيفاً أن “حزب الله هو حزب لبناني”! (ما يعني أن المسؤولية تقع على كل من عون وسلام وبري).
ومن التصريحات اللافتة أيضاً تأكيد باراك “ضرورة فصل إيران عن الملف اللبناني الداخلي” (تحييد إيران)، وقال بالحرف: “المشكلة ليست إيران، بل عجز اللبنانيين عن التوافق”. وهذا يعني أن أي مواجهة بين لبنان وإسرائيل ستكون مواجهة مع الدولة اللبنانية ككل، طالما أن الدولة نفسها تؤكد أن “حزب الله” هو مكوّن لبناني وحزب لبناني، له نواب ووزراء يشاركون في الحكومة، ويوافقون – بصورة رسمية – على قرارات يرفضها أمينهم العام الشيخ نعيم قاسم… مفارقة تستحق التوقف عندها.
بهذا الإقرار والإصرار من الدولة، تصبح كل أعمال “حزب الله” من مسؤوليتها المباشرة، وعليها أن تتحمّل كامل النتائج المترتبة على ذلك. وقد كرّر باراك أكثر من مرة الاشارة إلى ما يجري في سوريا، وأثنى على “إنجازات الحكم الحالي الذي انطلق من الصفر”، وكأنه يقول للبنانيين: “أنتم على النقيض، فما زلتم تعودون إلى ما دون الصفر”.
بعد التصريحات شبه اليومية التي يُطلقها “حزب الله”، مؤكداً فيها استعداده للقتال وتمسّكه بالسلاح، ومع ما جاء في تصريحات باراك الأخيرة، تصبح الدولة اللبنانية بكل مؤسساتها في خطر حقيقي وشامل!
أمام لبنان فرصة قد تكون الأخيرة، إن لم يُحسن استيعاب المتغيرات الكبرى التي تجري من حولنا. فالإصرار على الاستغراق في نقاشات عقيمة، تشبه ما عُرف بـ”الجدل البيزنطي” حول جنس الملائكة، هو ما أدى في حينه إلى دكّ أسوار القسطنطينية ودخول الفاتح، بينما كان الجدل لا يزال قائماً حول ما إذا كانت الروح تستطيع الخروج من ثقب الإبرة! تماماً كالجدل حول جنوب الليطاني وشماله.
للأسف، يبدو أن الشعوب لا تتعلم دروسها إلا من خلال أطول الطرق وأكثرها وعورة ومشقّة.


