يُنظر إلى الأحداث السوريّة الأخيرة، على أنّها “استشراف قريب” لتبدّل الأحداث وانتقالها سريعاً إلى لبنان، وتحديداً إلى مدينة طرابلس التي تحمّلت أكثر من جولة عسكرية عنيفة وسلسلة من التوقيفات التي طالت شبابها بسبب الثورة السورية ونُصرتهم لها سابقاً ضدّ النّظام البائد ولم يخرجوا بموجبها من السجون إلى الآن. واليوم، لم يستغرب أحد إعلان البعض في المدينة، استعداده للانخراط بالموجة السورية الجديدة بعد أحداث عدّة: اشتباكات السويداء العنيفة، تصريحات رئيس حزب “التوحيد العربي” وئام وهاب المستفزّة والفتنوية، وتلقّي سوريا أخيراً ضربات عدوانية قلبت الموازين وأدخلت المنطقة في دوامة “طائفية” جديدة تستهدف بالأساس أهدافاً “جيوسياسية”.
ومع توسّع الفتنة في سوريا، تُبدي فعاليات طرابلسية قلقها من تأثر المدينة بالنيران السوريّة، ولا يستبعد أحدها عبر “لبنان الكبير” حدوث “مشكلة داخلية إنْ تطوّر الوضع في سوريا الى نحو طائفيّ أكثر، ففرض المزيد من الساحات وتوسيعها، سيكون من مصلحة العدو الذي يُكرّس وضعاً أمنياً يستغل فيه الأقلّيات، والعاطفة التي جرّت البعض إلى سوريا يوماً، ما زالت موجودة خصوصاً بوجود النّازحين على أرضنا”.
وعلى الرّغم من قرار وقف إطلاق النّار “الهش”، إلا أنّه لا يُمكن تخطّي رمزية التحرّكات والاعتصامات التي حدثت في الفيحاء وأعلنت ما يلي: أوّلاً، إسناد الرّئيس السوريّ أحمد الشرع وحكومته المركزية، ثانياً، رفض تدخل وهّاب في الشؤون السورية بطائفية ومناطقية بحتة وصلت إلى حدّ إعلانه تأسيس جيش “التوحيد”، ثالثاً، إدانة الصمت الحكوميّ والأمنيّ اللبناني إزاء ما يُطلقه وهّاب من تصريحات تُحدث فتنة بيْن السنّة والدروز، وتأكيدهم أنّ الجهات الأمنية “تتشاطر” على السنّة والطرابلسيين فقط.
وفي ظلّ غياب التصريحات وردود الفعل السياسية “السنّية” التي يُتوقع أنْ تكون نأت بنفسها عن هذه الأحداث تجنّباً للفتنة، وبغياب أيّ موقف يصدر عن رجال دين طرابلسيين، جالت التظاهرات في المدينة، وحمل لبنانيون وسوريون الأعلام السورية والدّينية، وذلك في سياقٍ يُؤكّد حساسية الموقف الذي لمس مناطق لبنانية أُخرى ناصرت دروز سوريا وقطعت الطرقات سابقاً.
وكان لافتاً المنشور الذي كتبه عضو “هيئة العلماء المسلمين” الشيخ نبيل رحيم، وجاء فيه: “يا شباب أهل السنّة في لبنان لنكن على استعداد تام، فإنْ طلبت القيادة في سوريا مدداً من الرّجال فلنلبِّ جميعاً ولتسقط الحدود”، ما أثار الجدل وقسم الرّأيّ العام بيْن طرفين، الأوّل يُشيد بكلامه خصوصاً من الطرف السوريّ، والثاني ينتقده، ويتساءل عن أمريْن: سبب غياب هذه التصريحات عن القضية الفلسطينية “السنيّة” كما قيل، وكيفية دعوة الطرابلسيين إلى التدخل بالشأن السوريّ، في وقتٍ لم يخرج فيه أبناؤهم من السجون التي زُجوا فيها بسبب الثورة؟
رحيم الذي انهالت عليه الاتصالات الاعلامية، السياسية وحتّى الأمنية لتسأله عن سبب نشره هذا الكلام، متمنّية عليْه مسحه لترسيخ الاستقرار، وذلك من دون أنْ يستجيب لها، لا يُخفي أنّه كتبه “في لحظةٍ عاطفية جيّاشة، لكنْ لا تُحاكموا ردّ الفعل بل حاكموا الفعل”، وفق ما يقول لـ “لبنان الكبير”.
ويُفصّل رحيم خلفيات منشوره الذي أثار الجدل بثلاث نقاط وهي: “أولاً، انّني أرفض أيّة مشكلة داخلية بيْن مكوّن وآخر في لبنان كما في سوريا، لأنّ أيّ إشكال سيصبّ حُكماً في مصلحة العدو الذي يستغل أيّ توتر”، أمّا النّقطة الثانية، فتكمن في “دعوة بعض قيادات السويداء إلى الانفصال والاستعانة بالاسرائيلي لضرب الحكومة المركزية، ما يُؤدّي إلى الانقسام في سوريا وافتعال المشكلات بيْن مكوّناتها التي عانت أكثر من 50 عاماً من الظلم والاستبداد”، فيما تتركّز النّقطة الثالثة والأهم، على “تصريحات وهّاب الذي يدعو العدو (الذي قتل الفلسطينيّ واللبناني واحتلّ أرضهما) إلى التدخل لضرب الحكومة السورية بكلّ عنجهية، ولتأسيس جيش التوحيد المسلّح وتهديده بإرسال آلاف المقاتلين لإعادة الشرع إلى إدلب، وذلك في تدخلٍ سافر بسوريا يجرّ لبنان إلى مشكلات ونعرات، وهذا ما حصل، فحين يتوجّه مسلّحون من بعض المناطق ليعتدوا على سوريين ولبنانيين من السنّة ويُغلقون الطرقات بعد فيديوهات رصدناها أحدها يُهين نبيّنا محمّد، والآخر يرفع العلم الاسرائيلي، ومع كلّ ذلك، ما زلنا نطالب المعنيين بتوقيف وهّاب الذي حرّك الفتنة”.
وانطلاقاً من استفزازات وهّاب، يُؤكّد رحيم أنّه كتب المنشور لتسجيل موقف إعلاميّ “يضغط على الدّولة لتسمعنا وتوقف وهّاب، حتّى أنّني في جملتي (إنْ طلبت القيادة)، استخدمت حرف إنْ للتقليل، وهي لن تطلب شيئاً ولن تستقبل مسلّحين أساساً، ما يُبطل الخوف على شبابنا”.
ورداً على من دعاه إلى التدخل بالشأن الفلسطيني، يُوضح رحيم أنّه لم يصمت يوماً عن القضية، لكن “كلّنا ندرك أنّ حزب الله يمنع علينا التوجّه جنواًا إلّا بإذن منه وتنسيق معه، وهو لا يرغب بنا، ولطالما اعتُقل شبان من بيروت، البقاع وصيدا وسُجنوا لإطلاقهم صواريخ”.


