فتنة السويداء رهن بهدنة باراك… ولبنان الرسمي ينتظره متجاوباً

لبنان الكبير / مانشيت

لم يحتج الموفد الأميركي توماس باراك إلى ورقةٍ رسمية ولا إلى تبادل “ردود” عبر السفارات كي يُعلن ما وصفه بإنجاز ديبلوماسي: وقف إطلاق نار في السويداء السورية، بموافقة الرئيس السوري أحمد الشرع ورئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو، وبدعمٍ أميركي تركي وأردني ودول مجاورة. إعلانٌ مختصر عبر منصة “إكس” أخرج مبدئيا الجنوب السوري من أتون حرب أهلية كادت تتحوّل إلى مقدّمة لتقسيم البلاد، أو إلى فوضى مزمنة على حدود الجولان، ولو أن الاحتمالات السلبية الخطيرة لا تزال ماثلة، مع استمرار الاشتباكات بعد اعلان وقف النار.

لكن المفارقة أن ما يُنجَز عبر تغريدة في دمشق، لا يزال في بيروت يتخبّط بين اللجان والاجتماعات وصياغات “الرد على الرد”، وسط ترقّب لعودة باراك إلى العاصمة اللبنانية، ومعه ما يشبه الامتحان الصعب للنظام السياسي اللبناني برمّته.

باراك بين دمشق وبيروت

هدنة السويداء ليست “ورقة نيات” بل اتفاقٌ متكامل البنود بين دمشق وتل أبيب، يرعاه الأميركيون والأتراك والأردنيون، ويُراعي الحساسية الطائفية والقبلية في الجنوب السوري. عشرات البنود تم الاتفاق عليها بين الدولة السورية والمشايخ، وبين أجهزة الأمن والمجتمع المحلي، من إعادة نشر القوات وتفكيك الميليشيات وضمان أمن الدروز والبدو، إلى تشكيل لجان تقصّي حقائق ومراقبة التنفيذ.

هذا “الإنجاز”، الذي دفع بالرئيس السوري إلى خطابه الأكثر تماسكاً منذ تسلمه السلطة بعد سقوط نظام الأسد، يعبّر عن تحوّلٍ استراتيجي في موقع دمشق من صراع السيطرة إلى سعي لبسط السيادة بالشراكة مع الخارج، بما فيه إسرائيل، ولو بحذر.

لكنّ إسرائيل، وإن وقّعت الهدنة، لم تُخْفِ امتعاضها من خطاب الشرع، واتهمته بـ”التطرّف”، محذّرة الأقليات من “خطر البقاء في سوريا”. أما وزير الشتات الاسرائيلي فذهب أبعد، داعياً إلى “القضاء على الشرع فوراً”.

بيروت تنتظر

في لبنان، لا هدنة بعد، ولا وضوح في مآلات الأزمة. الموفد الأميركي سيصل خلال الساعات المقبلة إلى بيروت، بعد أن كانت بلاده قد سلّمت المسؤولين ورقةً تنصّ على نزع سلاح “حزب الله” وفق جدول زمني ينتهي في كانون الأول. ولئن أبدت الحكومة تجاوباً مبدئياً، فإنّ “الدويلة” ردّت على لسان الشيخ نعيم قاسم بشروط معقدة، أبرزها ما سُمِّي بـ”الخطر الوجودي”، والمطالبة بتطبيق القرار 1701 من إسرائيل قبل أي نقاش في مصير سلاح الحزب.

أوساط قصر بعبدا تكشف لموقع “لبنان الكبير” أن الأجواء إيجابية عشية وصول باراك، على الرغم من التصعيد العلني في خطاب “حزب الله”.
وتشير الى أن لبنان الرسمي يتعامل بمرونة محسوبة، ويسعى إلى بلورة موقف موحّد بالتنسيق بين الرؤساء الثلاثة.

أما على الضفة المقابلة، فتنقل أوساط الثنائي الشيعي لـ”لبنان الكبير” أن “حزب الله” لا يمانع مناقشة سلاحه، لكنه يشترط التزام إسرائيل الكامل بالقرار 1701 كشرط مسبق لأي حوار. وتعتبر أن “أي بحث في الملف الأمني قبل تنفيذ العدو التزاماته هو تنازل مجاني، ولا يمكن القبول به”.

منع امتداد الفتنة

في الموازاة، يشهد لبنان سلسلة تحرّكات سياسية ودينية لمنع امتداد الفتنة السورية إلى الداخل. فشيخ عقل طائفة الموحّدين الدروز سامي أبي المنى أجرى اتصالات مع وليد جنبلاط وطلال أرسلان وقيادات دينية إسلامية ومسيحية، واستقبل وفداً عسكرياً ناقش معه سبل التحصين الأمني الداخلي.

كما زار الوفد رئيس الحكومة نواف سلام في قريطم، قبيل توجهه إلى الديمان للقاء البطريرك بشارة بطرس الراعي.

وتوافد الرؤساء السابقون نجيب ميقاتي، فؤاد السنيورة وتمام سلام إلى دارة جنبلاط في كليمنصو، حيث شددوا على ضرورة تحييد لبنان عن تداعيات الفتنة السورية، ورصّ الصفوف في وجه محاولات استيرادها.

حزب الله: من “المرونة” إلى “الاشتراط”

في خلفية المشهد، يقف “حزب الله” حاملاً ورقة “الخطر الوجودي” في وجه أي مطلب دولي أو محلي بنزع سلاحه. وعلى الرغم من التمايز الرسمي اللبناني عن موقف الحزب، فإن الخشية تبقى من أن يؤدي التراخي أو الغموض في الرد الرسمي إلى خيارٍ آخر: أن يُترك الميدان مفتوحاً أمام إسرائيل لـ”تنفّذ” هي الحل بالقوة.

أميركا تتحدث عن “خطوة مقابل خطوة”: انسحاب إسرائيلي تدريجي، مقابل تفكيك تدريجي لمنظومة “حزب الله”. هذا ما تريده واشنطن، ويعارضه الحزب إلا بضمانات، تشمل الإفراج عن الأسرى، وانسحاب إسرائيل من نقاط محتلة، ووقف الخروق.

شارك المقال