انتشرت خلال الساعات الماضية على وسائل التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو مثيرة للجدل لشخص يُدعى (أ.غ)، بدا من مظهره الخارجي أنه في بداية العقد الرابع من عمره. ثلاث لقطات متناقضة هزّت الرأي العام: في الأولى يظهر مرتدياً الزي الديني ويُصافح شخصيات دينية، فيما يُظهره المقطع الثاني وهو يعتدي بوحشية على زوجته، أما الفيديو الثالث فيبدو وكأنه من سهرة صاخبة، يتلقى فيها تحية من مطرب شعبي وسط زجاجات “Big Champagne”.
لكن المفاجأة الأكبر، والتي أكدها مصدر أمني مطّلع لموقع “لبنان الكبير”، أن الشخص الظاهر في الفيديوهات هو عنصر نظامي في جهاز أمن الدولة منذ أكثر من عشر سنوات. ويبدو أن سلوكه كان محل شكّ داخلي منذ فترة طويلة، بحيث فُرضت عليه أكثر من عقوبة تأديبية، بينها نقله إلى الخدمة في طرابلس، من دون أن يردعه ذلك عن الاستمرار في تصرفاته “غير المتّزنة” كما وصفها المصدر.
ازدواجية مثيرة للشكّ
بحسب المصدر الأمني، فإن الشخص المعني ليس منتحل صفة رجل دين وحسب، بل متهم أيضاً بتعنيف زوجتيه؛ الأولى طلقها، والثانية رفعت عائلتها دعوى قضائية ضده بعد تكرار الإساءات بحقها، والتي يبدو أن بعضها يعود لأسباب مادية. أحد الفيديوهات المسرّبة يُظهره وهو يقوم بخنق زوجته قبل أن يفرّ من المكان.
المصدر نفسه أكد أن المعني أُوقف بإشارة قضائية من “الأمن العسكري”، وهو حالياً موقوف لدى جهاز أمن الدولة. وهناك لجنة داخلية بدأت النظر في ملفه، تمهيداً لاتخاذ إجراءات قد تصل إلى طرده من السلك الأمني.
المجلس الشيعي يتحرّك
توازياً، تواصل موقع “لبنان الكبير” مع مكتب المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى في لبنان، وأكد مصدر رسمي فيه أن المعني ليس رجل دين، ولا يملك أي ترخيص ديني، كما أنه ممنوع من دخول مقريّ المجلس في الحازمية وطريق المطار منذ فترة.
وأوضح المصدر أن المجلس كشف أمره مؤخراً، وسيتم اتخاذ إجراءات قانونية بحقه، معتبراً أن ارتداءه الزي الديني ربما كان لنيل الاحترام وثقة الناس، قبل أن يفضحه سلوكه العنيف والمتناقض.
وجاء في بيان رسمي صدر عن المكتب الاعلامي في المجلس: “يفيد المكتب الاعلامي في المجلس الاسلامي الشيعي الأعلى أن الفيديو المتداول في مواقع التواصل الاجتماعي حول الشخص المعني أمر مسيء لصاحبه، الذي يعتبره المجلس منتحلاً لصفة رجل دين. وكان قد سبق أن اتخذ سماحة نائب رئيس المجلس، العلامة الشيخ علي الخطيب، قراراً بمنعه من دخول مقري المجلس في الحازمية وحارة حريك، تمهيداً لاتخاذ الجهات المختصة في المجلس الإجراءات التأديبية بحقه”.
قصة خديعة وانكشاف
تطرح هذه القضية تساؤلات عدّة حول آلية ضبط سلوكيات العناصر الأمنية في المؤسسات، وكيف يُسمح لأشخاص لديهم سوابق بالعنف الأسري وانتحال صفات دينية بالبقاء في مواقعهم من دون رادع. كما تفتح النقاش حول ضعف آليات التدقيق في الهويات الدينية والاجتماعية في بلد تكثر فيه الاستعراضات والرموز، ويقل فيه التدقيق والمحاسبة.
في هذا السياق، أوضح المحامي الدكتور محمد بالوظة، لموقع “لبنان الكبير”، أن “القانون اللبناني يُجرّم انتحال الصفة، سواء أكانت صفة موظف رسمي أو رجل دين، ويعاقب عليها بالحبس من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات، وفقاً للمادة impersonation من قانون العقوبات، خاصة إذا اقترنت بمنافع مادية أو معنوية”.
وأضاف: “أما في ما يتعلق بالعنف الأسري، فالقانون 293/2014 يحمي أفراد الأسرة من العنف، ويمنح الزوجة حق تقديم شكوى لدى القضاء المختص، كما يخول قاضي الأمور المستعجلة اتخاذ تدابير وقائية فورية، مثل الإبعاد أو منع التعرّض”.
وشدد بالوظة على أن “الانتماء إلى مؤسسة أمنية لا يمنح أي حصانة من الملاحقة، بل على العكس، يُفترض أن يكون عناصر الأمن نموذجاً في الالتزام بالقانون. وفي حال ثبوت الانتهاكات المتعددة بحق العنصر المعني، فإن ذلك قد يشكل موجباً لتطبيق العقوبات التأديبية والعزل من الوظيفة”.
ورأى أن “من المهم أن تكون هناك متابعة قضائية وإدارية متزامنة، لأن مثل هذه الحالات تمسّ بثقة الناس بالمؤسسات، خصوصاً حين تتعلق بانتحال صفة دينية وموقع أمني معاً”.


