مئة عام على تأسيسها، عادت جريدة “صدى الشمال” لتشعل من جديد شعلة الذاكرة والهوية عبر معرض “صدى الزمان” الذي نظّمته “جمعية الشبيبة الإهدنية” بين 10 و13 تموز الجاري برعاية وزارة الثقافة. لم يكن هذا الحدث مجرد استذكار، بل إعلان حيّ لقصة جريدة صمدت عبر عقود، حاملة هموم زغرتا وشمال لبنان واَمالهما، وجسّدت صوت شعب وأرض، لتكون نبض التاريخ وروح المقاومة التي لم تنطفئ مهما طال الزمن.
الحدث الثقافي الذي استعاد أرشيف الجريدة التي أسسها المحامي فريد أنطون في نيسان 1925، قدّم للزوار أكثر من 230 صفحة أصلية من أعداد “صدى الشمال” التي صدرت حتى نهاية العام 1987، حاملة بين سطورها توثيقاً دقيقاً لحقبات منسية من تاريخ زغرتا ولبنان، من المحطات الانمائية والاجتماعية، الى المواقف الوطنية الكبرى.
في حديث عبر موقع “لبنان الكبير”، قال رئيس “جمعية الشبيبة الإهدنية” روي عريجي: “ان المعرض أكثر من مجرد حدث توثيقي، بل هو وفاء لذاكرة مدينة، وإضاءة على جهد استمر عقوداً من الزمن في توثيق حياة الناس وهمومهم وأفراحهم”.
وأشار إلى أن “هذا المعرض هو امتداد لمسار بدأته الجمعية قبل سنوات لإحياء التاريخ المحلي، وإعادة الاعتبار الى أشخاص ومبادرات أسّسوا للوعي الثقافي في زغرتا وإهدن”.
ورأى عريجي أن “صدى الشمال ليست جريدة فقط، بل مشروع إعلامي رائد بدأ في عزّ الانتداب الفرنسي على يد المحامي فريد أنطون، واستمر مع ابنه قبلان، وواكب مراحل مفصلية من حياة لبنان والمنطقة”.
بدأت علاقة عريجي الشخصية مع الجريدة، “عندما زارنا الأستاذ قبلان أنطون وقدّم لي كتاباً عن الجريدة أعدّه الأستاذ محسن يمين، مرفقاً بنسخة من عدد نُشر فيه خبر نجاح جدي ريمون في البكالوريا عام 1932. عندها، شعرت أن هذه الجريدة تناديني”.
وأضاف: “منذ تلك اللحظة بدأت رحلة البحث في أرشيف صدى الشمال، قرأت مجلدات السبعينيات بدقة، والتقيت بالاعلامي فؤاد دعبول، قبل أن اتمكن من شراء الأرشيف الورقي للجريدة من أحد متاجر بيروت عام 2018. وعملنا على فرز هذا الأرشيف وترميمه، لأنه ملك للذاكرة الجماعية، وليس لعائلة أو مؤسسة فقط”.
ولفت الى أن “الجريدة كانت تنشر أخبار السياسة اللبنانية، والمحليات، والزغرتاويات، وحياة الاغتراب، والدراسات التاريخية، إلى جانب تغطية المناسبات الاجتماعية، من أعراس ووفيات وولادات، ومواضيع إنمائية ووطنية مثل طوفان نهر أبو علي، وقضية مطرانية إهدن، وتماثيل يوسف بك كرم، والمهرجانات الصيفية، وجرّ مياه نبع رشعين، وصولاً إلى أخبار الحرب العالمية الثانية”.
ممثل وزارة الثقافة جان توما قال عبر موقع “لبنان الكبير”: “إنّ الحدث الثقافيّ الذي أحيته جمعية الشبيبة الإهدنيّة في استعادة للتراث الصحفي لجريدة صدى الشمال التي أسسها فريد أنطون عام 1925، يشير إلى ضرورة العمل على تبيان التراث الكبير للمدن والقرى، إحياءً للذاكرة الشعبيّة العامة لتمتين العلاقات الأهليّة، والافادة من تجارب من سبقنا للإسهام الواعي في النهضة المرجوة اجتماعياً وأسرياً، ودعماً للتلاقي وتبادل الخبرات وتظهير المواهب الواعدة”.
وأوضح أن “دور وزارة الثقافة واضح في دعم كل ما يُظهّر التراث المادي واللامادي، عملاً برغبتها في استعادة هذا الإرث الثقافيّ الرائد الذي يُبنى عليه لتدعيم الحياة العامة، والتمسك بالتقاليد والعادات ضمن مسيرة الحداثة لتكامل ما كان بالأمس، وما هو اليوم، وما سيكون غداً”.
وأكد توما أن “رعاية الوزارة لهذا الحدث بالتعاون مع الجمعية والناشط روي عريجي، تأتي في سياق دعم الحركة الثقافية وتكريم من أعطى ووهب قلمه في سبيل نهضة الحراك الثقافي”.
نفضت صحيفة “صدى الشمال” غبار الزمن لتعيد إلى الذاكرة حكايات المدينة وأهلها، وتشكل هويتها عبر صفحات تحمل عبق الماضي وروح الحاضر. لم يكن المعرض مجرد احتفال بمئوية الصحيفة، بل تأكيد أن الصحافة هي الحصن الذي يحفظ تاريخ الأمة ويربط ماضيها بحاضرها ومستقبلها.
فالصحافة ليست مجرد نقل أخبار، بل ذاكرة جماعية وجسر هوية يمكّن الأجيال القادمة من فهم جذورها ومواجهة تحديات الغد بثقة.
هذا التجديد يؤكد أن الكلمات والأحداث تبقى حيّة طالما هناك من يحفظها ويعيد سردها، وأن احترام التاريخ هو أساس لبناء مستقبل مزدهر ينبع من تجارب الماضي.
إن ما قامت به “جمعية الشبيبة الإهدنية” يشكل نموذجاً يُحتذى به، ودعوة لإحياء الذاكرة الصحفية الوطنية كمرآة لشعب وتاريخه. هل سيعي لبنان الرسمي ووزارة الثقافة أهمية دعم مثل هذه المبادرات؟ وهل ستأخذ هذه المحطات التاريخية حقها من الرعاية والتوثيق؟


