حلّ لبنان في المرتبة الثامنة عربياً بين عشر دول من حيث كلفة الغذاء الشهري للفرد، وفقاً لموقع “نومبيو” العالمي، الذي قدّر أن كلفة الغذاء لشخص واحد في لبنان تصل إلى 214.54 دولاراً شهرياً، وهو رقم يعكس جزءاً من واقع اقتصادي صعب يعيشه اللبنانيون، في ظل غياب أي سياسات دعم أو رقابة فعلية.
وعلى الرغم من أن المؤشر لا يُفاجئ كثيرين ممن يقصدون السوبرماركت يومياً، إلا أنه يسلّط الضوء على فجوة حقيقية بين الأسعار وقدرة الناس الشرائية، في بلد تتآكل فيه المداخيل وتتبخّر القدرة على تأمين الحاجات الأساسية.
في جولة ميدانية لـ”لبنان الكبير” على عدد من محال بيع المواد الغذائية في بيروت وضواحيها، عبّر عدد من أصحابها عن واقع صعب يعيشه القطاع، لناحية تراجع حركة البيع وقلّة الاستهلاك، في مقابل ارتفاع متواصل في الأكلاف التشغيلية.
يقول سامي، وهو صاحب سوبرماركت متوسط في منطقة خلدة: “الناس ما بقى تشتري متل قبل، عم تراجع الأسعار، وتشيل وتحط بالسلة قبل ما توصل للكاش. الشراء صار بالقطعة، وحتى المواد الأساسية عم تتخفف من البيوت”.
وفي منطقة الطريق الجديدة، يصف صاحب محل آخر الوضع بأنه “حرب يومية”، قائلاً: “نحن كتجار صغار، ما عم نربح، نعيش على رزقنا اليومي، وكل يوم منخاف من تغيير بالأسعار أو بالطلب، خاصة مع التقلّب بسعر صرف الدولار”.
أما المواطنون الذين التقاهم “لبنان الكبير” في أحياء مختلفة من بيروت فعبّروا عن استنزاف حقيقي في قدرتهم على تأمين الغذاء، مشيرين إلى أن أولويات الإنفاق تغيّرت، وبات تأمين الطعام “حساباً دقيقاً” لا يحتمل الخطأ.
أحمد، موظف في القطاع الخاص، قال: “معاشي 400 دولار، ونصه بيروح على المولد والمي والنقل، شو بيضل للأكل؟ بطلت روح على السوبرماركت متل قبل، بكتب لائحة ضرورية وبشتري الأرخص”.
بينما عبّرت سيدة خمسينية عن تعب يومي تعيشه مع أولادها: “صرنا نحسب الزيت والسكر والخبز بالملعقة… ما فينا نكب شي أو نزيد طبخة. كل شي محسوب”.
واقع يختصر مأساة يومية، ويطرح تساؤلات أساسية حول غياب خطة وطنية لحماية الأمن الغذائي أو دعم المواطن ولو بالحد الأدنى. فأين الدولة من هذا المشهد؟ وهل من حلول تلوح في الأفق؟
رئيس نقابة مستوردي المواد الغذائية هاني بحصلي شدد في حديث خاص لـ”لبنان الكبير”، على أن فكرة الاكتفاء الذاتي الغذائي في لبنان غير قابلة للتطبيق عملياً، نظراً إلى طبيعة البلاد الجغرافية والاقتصادية، مؤكداً في الوقت نفسه أن القطاع الخاص أثبت صلابته في الحفاظ على الأمن الغذائي على الرغم من الأزمات المتلاحقة.
لا خطة وطنية.. ولا إمكانات للاكتفاء الذاتي
وحول وجود خطة وطنية لتقليص الاعتماد على الاستيراد وتحقيق الاكتفاء الذاتي الغذائي، قال بحصلي: “دعونا نكون واقعيين؛ لبنان بلد صغير جغرافياً واقتصادياً، وبالتالي فإن مفهوم الاكتفاء الذاتي يجب أن يُعاد النظر فيه. فهل نقصد به المحاصيل الزراعية أم الصناعات الغذائية؟”.
وأشار إلى أن لبنان لا يمتلك القدرة الزراعية لتغطية كامل احتياجاته من المحاصيل الأساسية، موضحاً أنه “حتى في ما يخص القمح، لا يمكن للأراضي المستصلحة أن تُنتج ما يكفي لتلبية الحاجة المحلية، وهذا ما أكدته لنا الدراسات والخبراء”.
أما بالنسبة إلى الأرز والحبوب والزيوت، فأكد أن “لبنان لا ينتجها بكميات كافية، وما يتم تصنيعه محلياً هو تحويل للمواد المستوردة”، مضيفاً: “من هنا، فإن الحديث عن اكتفاء ذاتي في بلد مثل لبنان هو طرح غير دقيق، ولا يتناسب مع الواقع. نعم، هناك صناعات محلية صغيرة مثل الكبيس وبعض أنواع الحبوب، لكن الصناعات الغذائية الكبرى، كالمعلبات، تعتمد بالكامل على استيراد المواد الأولية”.
القطاع الخاص صامد رغم الأزمات
وفي ما يتعلق بمخاطر انقطاع سلاسل التوريد، رفض بحصلي الحديث عن وجود تهديد مباشر، مؤكداً أن القطاع الخاص أثبت مرونته وقدرته على مواجهة التحديات.
وقال: “منذ انطلاق أزمة طوفان الأقصى وما تلاها من أحداث، وصولاً إلى حرب الـ 12 يوماً، لم يُسجّل أي انقطاع في المواد الغذائية أو الإمدادات. المخاوف دائماً تكون في حال حدوث تصعيد عسكري كبير قد يُصيب مرفأ بيروت أو طرابلس، أو في حال فرض حصار بحري، وهذا أمر لا يستطيع أي بلد في العالم تحمّله، وليس لبنان فقط”.
ورأى أن الأمور “لا تُنذر حالياً بأي خطر مباشر، طالما لم تحصل تطورات دراماتيكية على الصعيد الأمني أو العسكري”.
الأسعار لم ترتفع بصورة غير مبررة
وعما يُقال عن ارتفاع أسعار المواد الغذائية، نفى بحصلي حصول زيادات غير مبررة في الأشهر الستة الماضية، داعياً الجميع “للعودة إلى الموقع الرسمي لإدارة الإحصاء المركزي (CAS)، حيث تُظهر الأرقام أنه كان هناك استقرار، بل وحتى انخفاض طفيف في بعض الأسعار خلال الفترة الماضية”.
وأوضح أن التضخم العالمي، وارتفاع كلفة الطاقة والشحن وبعض الرسوم الإضافية، خصوصاً على المازوت، تُساهم في بعض الزيادات المحصورة والطبيعية، ولكن “لا يمكن الحديث عن موجة ارتفاع عامّة”.
وأشار إلى أن “نحو 35% من واردات لبنان تأتي من منطقة اليورو، وبالتالي فإن ارتفاع سعر صرف اليورو يؤثر مباشرة على الأسعار. ومع ذلك، فإن التضخم الحقيقي لا يوازي ما يُروّج له، خصوصاً عندما تُحتسب الفروق على الليرة اللبنانية من دون الأخذ في الاعتبار سعر الصرف والتغيّرات النقدية”، معتبراً أنه “لا يمكن إنكار معاناة المواطن، لكن المبالغة في الحديث عن الارتفاعات قد تؤدي إلى هواجس لا أساس لها. الواقع مختلف عمّا يُشاع، والأرقام الرسمية تُثبت ذلك”.


