في ختام زيارته إلى بيروت، رسم الموفد الرئاسي الأميركي توم باراك معالم مرحلة إقليمية جديدة، وضع فيها لبنان أمام ثلاث حقائق كبرى: هناك استعداد لبناني للتطبيع مع اسرائيل وإن لم يعلن رسمياً، تل أبيب وليس واشنطن هي من يحدّد الجدول الزمني لنزع سلاح “حزب الله”، الخطر على لبنان لا يأتي من سوريا كما يسوّق الحزب بل من تقاعسه الداخلي. وعن المستقبل الاقتصادي للمنطقة فهو يُرسم اليوم من بوابة دمشق، حيث بدأ الوفد الاستثماري السعودي عقد صفقات بمليارات الدولارات لدعم إعادة الإعمار في سوريا بقيادة الرئيس أحمد الشرع. بين تشدد إسرائيلي ميداني، ومبادرات خليجية نحو دمشق، وواقع لبناني متراخٍ، وتلميحات للتوجه نحو التطبيع بدا باراك وكأنه يحمل إنذاراً ناعماً: من لا يلتزم بالقانون والسيادة والرؤية الأميركية لن يكون له موطئ قدم في الشرق الأوسط الجديد.
وبرأي مصادر سياسية فإن الرسالة الأهم من باراك جاءت بوضوح غير مسبوق: “نزع السلاح هو مسؤولية الحكومة اللبنانية، وإن لم تتحرك، فإن الوضع الأمني سيبقى على حاله، وإسرائيل وحدها تحدد توقيت التصعيد أو التهدئة”. ورأت أن هذا الكلام نسف ضمنياً أي “وهم بأن واشنطن تضبط الإيقاع في الجنوب، وأعاد تأكيد أن تل أبيب باتت تتحرك وفق معادلتها، وأن هامش المناورة بدأ يضيق أمام حزب الله والحكومة على حد سواء”.
باراك، الديبلوماسي العتيق ذو الخبرة في الميدان والمحيط العربي، لم يتورط بلغة خشبية، بل قال الأمور كما هي: الشعب اللبناني اعتاد منذ السبعينيات “اللون الرمادي”، وكل طرف يفسّر القوانين كما يشاء. لكن مرحلة الغموض البناء انتهت، بحسب تعبيره. المطلوب اليوم “شجاعة تنفيذ القانون”، ومن لا ينفذ سيبقى رهينة الطائرات والغارات، ولن يرى دولاراً واحداً من الاستثمارات الخارجية.
وفي حديثه إلى مجموعة صغيرة من الاعلاميين، أطلق سلسلة رسائل سياسية مشفّرة ومباشرة في آن: على اللبنانيين أن يتوقفوا عن اختراع الذرائع، فلا خطر من سوريا، ولا من إيران، ولا حتى من إسرائيل. الخطر الوحيد، وفق باراك، هو “أن يقتل اللبنانيون أنفسهم داخلياً”، نتيجة العجز عن الحسم والانضباط والسيادة. أما “الدعاية” التي يُطلقها “حزب الله” عن حماية لبنان من “السوريين الأشرار”، فهي بنظره “مهزلة”، لأن “السوريين لا يستطيعون حتى الخروج من دمشق”.
حديث غير مسبوق عن التطبيع
لكن المفاجأة السياسية الكبرى، تمثلت في إشارة باراك إلى أنه لمس خلال لقاءاته “استعداداً لبنانياً للتطبيع مع إسرائيل”، على الرغم من إنكار الرسميين لذلك. هو لم يحمّل الحكومة مسؤولية هذا التوجه، لكنه لمّح إلى أن النقاش يدور بهدوء، وتحت الطاولة، في أوساط سياسية ووزارية تعتبر أن الوقت قد حان لـ”حل الصراع”. وتساءل باراك بلهجة حاسمة: “هل من غبي بما يكفي ليصدّق أن إسرائيل تريد ابتلاع لبنان؟ لو أرادت، لفعلت خلال لحظة”. هذا الكلام ليس تنصلاً من النوايا العدوانية وحسب، بل ترويج لمعادلة جديدة: يمكن الوصول إلى تسوية… والباب مفتوح حتى أمام “حزب الله”، إذا أراد.
حسم سوري.. وتطمين خليجي
في المقابل، كان لافتاً دفاع باراك الصريح عن القيادة السورية الجديدة برئاسة أحمد الشرع. فهو يرى أن سوريا اليوم “لا تطمح الى ابتلاع لبنان”، بل بالكاد تدير شؤونها في دمشق. وفي إشارة لافتة، قال إن “المشككين” في نيات دمشق ليس لديهم بديل، وان النظام الحالي، على الرغم من تاريخه الملتبس، هو فرصة للتأسيس على واقع جديد، واستقطاب استثمارات خليجية. هنا جاءت المفاجأة الثانية: السعودية ترسل وفداً ضخماً إلى دمشق لعقد صفقات بقيمة 4 مليارات دولار في قطاعات الطاقة والضيافة والمطارات، ما يثبت أن البوصلة الاقليمية تحوّلت نهائياً نحو سوريا الجديدة، في وقت لا يزال لبنان يتخبط في رماديته المعتادة.
باراك وضع إصبعه على الجرح: لماذا تتدفق أموال الخليج إلى سوريا ولا تتدفق إلى لبنان؟ ببساطة، لأن دمشق اليوم تنطلق من الصفر، بينما في بيروت لا يزال الجميع جزءاً من النظام القديم، ويقاومون أي تغيير حقيقي. لبنان في عيون الخليج “معقّد للغاية”، أما سوريا فهي “منطقة استثمارية نظيفة موقتاً”، واللبنانيون، كالعادة، هم من يقررون إن كانوا يريدون أن يكونوا شركاء في الإعمار… أو متفرجين عليه.
شبعا.. وسخرية واضحة
باراك لم يُخفِ استغرابه من قضية مزارع شبعا، وذهب إلى حد السخرية بقوله: “ظننتها مزرعة خيول أصيلة من كنتاكي… على ماذا يتقاتلون؟”. هذا الموقف يعكس بوضوح القناعة الأميركية الجديدة بأن ملفات الحدود يمكن حلها إذا توافر القرار، وأن “القداسة” التي أُحيطت بملفات مثل شبعا وحماية المقاومة، ليست إلا أدوات تأجيل وإرباك سياسي لا أكثر.
موقف داعم من بكركي
زيارته للبطريرك الماروني بشارة بطرس الراعي حملت أيضاً رسائل واضحة. قال له إن زيارته “تحمل أملاً لا حلاً”، وإن لبنان يملك طاقات بشرية ووزارية يمكن البناء عليها، لكن القرار الفعلي في يد اللبنانيين لا في يد الخارج. وبين السطور، بدا وكأن باراك يلمّح إلى دور بكركي في الضغط الأخلاقي والسياسي لإخراج البلد من مأزقه، بعد أن سلّم الأميركيون بأن أدوات الضغط التقليدية لم تعد كافية.
ما بعد باراك.. سؤال مصيري
بين سطور زيارته، بدا واضحاً أن الموفد الأميركي لا يحمّل “حزب الله” وحده مسؤولية الانهيار، بل يعتبر أن المسؤولية مشتركة بين منظومة لا تطبق القوانين، وحزب يرفض أن يكون جزءاً من الدولة. والأهم: لا ينتظر اللبنانيون عودة باراك وحسب، بل ينتظرون ما إذا كان الداخل اللبناني سيتحرّك فعلياً لتفكيك ألغام السلاح، والتوازن الاقليمي، والفرص الاقتصادية، أم سيبقى يراهن على لعبة الوقت… حتى ينفجر كل شيء.
في المقابل، التحول الاقليمي جارٍ بلا هوادة: سوريا تدخل مرحلة إعادة الإعمار، السعودية تموّل وتشارك، الخليج يعد بإعادة دمج دمشق في المشهد العربي، والغرب يلوّح بالدعم المشروط. أما لبنان، فإما أن يسير في هذا الركب، أو أن يتحوّل إلى مجرد هامش رمادي في معادلة إقليمية تُكتب بلون النفط… ووقع الشوكولا!


