في سياق التطورات السياسية المتسارعة التي تشهدها الساحة اللبنانية، تأتي زيارة علي لاريجاني، رئيس مجلس الشورى الإيراني السابق، إلى بيروت لتؤكد مجددًا محاولات إيران المستمرة للتأثير في السياسة الداخلية اللبنانية. فهذه الزيارة ليست مجرد زيارة دبلوماسية عادية، بل هي محاولة لإعادة ترتيب الأوراق المبعثرة في لبنان، في وقت حساس للغاية تشهد فيه البلاد توافقًا داخليًا على مبدأ حصر السلاح بيد الدولة ورفض الهيمنة الخارجية، بما في ذلك الهيمنة الإيرانية عبر “حزب الله”.
إيران والتمسك بالوجود في لبنان
علي لاريجاني، الذي يرافقه وفد رفيع المستوى، جاء إلى بيروت في محاولة لاستعراض القوة الإيرانية والتأكيد على حضورها الفاعل في لبنان، على الرغم من محاولات البعض في لبنان التقليل من تأثير هذه القوة. في المطار، حيث استُقبلت الزيارة بكثير من التحفظ، كان واضحًا أن هناك سعيًا لتجنب الظهور بمظهر المتدخل أو المستفيد في شؤون لبنان الداخلية. إلا أن لاريجاني حاول جاهدًا الحفاظ على حيوية العلاقة بين بلاده و”حزب الله”، مروجًا لفكرة أن وجود الحزب في لبنان يشكل جزءًا من استقرار المنطقة.
إلا أن زيارة لاريجاني اصطدمت بموقف حازم من قبل رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام، الذي أكد على موقف حكومته الثابت والمبدئي، وخاصة فيما يتعلق بمسألة السلاح. فقد عبّر رئيس الحكومة، بوضوح، عن موقف لبنان الرافض لأي شكل من أشكال التدخل الخارجي، مشيرًا إلى أن القرار الحكومي بشأن حصرية السلاح بيد الدولة هو قرار لا رجعة فيه، ولا يوجد مجال للبحث فيه، بحسب الحكومة اللبنانية التي ترفض أي وصاية خارجية على الدولة اللبنانية الرشيدة، وأي تدخل في شؤونها يُعتبر تهديدًا لاستقلاليتها.
رفض لبنان التدخل الإيراني
لطالما كانت السياسة اللبنانية، في مختلف مراحلها، ترفض أي شكل من أشكال الوصاية الأجنبية، وهو ما أكده الموقف اللبناني في وجه زيارة لاريجاني. لبنان، الذي عانى كثيرًا بسبب التدخلات الخارجية، لا يريد أن يصبح ساحة تجارب أو منصة لإرسال رسائل سياسية بين القوى الكبرى، لا سيما عبر شعارات واهية تتعلق بمقاومة “إسرائيل”. فقد دفع لبنان، أكثر من أي دولة أخرى، ثمنًا باهظًا من أجل القضية الفلسطينية، وقدم من الدماء والموارد ما لم تقدمه دول أخرى، ولا يزال يدفع ثمنًا باهظًا نتيجة التدخلات الإقليمية.
وفي هذا السياق، كان من الضروري أن يشدد رئيس الحكومة اللبناني على نقطة أساسية مفادها أن لبنان لن يكون ساحة لتصفية حسابات الدول الإقليمية عبر استخدام السلاح غير الشرعي أو تدعيم ميليشيات تهدد وحدة البلاد وأمنها. الحكومة اللبنانية أكدت في أكثر من مناسبة أن السلاح يجب أن يكون تحت إشراف الدولة اللبنانية، وفقًا لاتفاق الطائف وكافة القرارات الدولية، خاصة أن “حزب الله” كان جزءًا من توقيع هذه القرارات الدولية. كما أكدت أن الأمن القومي اللبناني لا يمكن أن يبقى رهينة الأجندات الخارجية، بل يجب أن يعكس تطلعات اللبنانيين بالاستقرار والسيادة.
القرار اللبناني: لا تراجع ولا تنازل
القرار اللبناني بشأن حصر السلاح بيد الدولة وإبعاد لبنان عن دائرة الهيمنة الإيرانية لم يكن قرارًا عابرًا، بل هو بمثابة نقطة تحول في مسار الحياة السياسية في لبنان. لا تزال زيارة لاريجاني تتفاعل في الأوساط السياسية، لكن الحقيقة المؤكدة هي أن القرار قد اتُخذ، ولا رجعة عنه. ينتظر لبنان الآن القرار النهائي للجنة العسكرية التي ستعرض تقريرها في نهاية شهر آب، تمهيدًا لعرضه على مجلس الوزراء بهدف البدء في تنفيذ الخطة العملية لتطبيق القرار.
لبنان لا يسعى إلى معاداة إيران أو الوقوف في وجهها، بل يريد أن يكون في علاقة ندية ومتوازنة معها، وأن تحترم إيران سيادة لبنان في اتخاذ قراراته الداخلية والخارجية. وفي الوقت ذاته، لا يمكن للبنان أن يقبل بأن يكون تحت أي نوع من الوصاية الإيرانية أو أن يصبح جزءًا من أي حلف لا يعكس مصلحته الوطنية.
الواقع اللبناني المعقد
إن لبنان اليوم في وضع سياسي معقد، حيث تتداخل القوى الإقليمية والمحلية لتؤثر على مجريات الأمور. لكن الموقف اللبناني، رغم الضغوط، يعكس رغبة الشعب في الاستقلال الوطني والمضي قدمًا نحو بناء دولة مدنية قائمة على القانون والمؤسسات. زيارة لاريجاني قد تكون محاولة لإعادة ترتيب المعادلات السياسية في لبنان، لكنها لن تغير من حقيقة أن لبنان، رغم كل التحديات، متمسك بسيادته وقراراته الداخلية.
في النهاية، ستبقى الزيارة الإيرانية إلى بيروت محطة سياسية ستضاف إلى سلسلة محطات العلاقات المعقدة بين لبنان وإيران. لكن القرار اللبناني فيما يتعلق بحصرية السلاح وتطبيق السيادة على الأراضي اللبنانية هو قرار لا يمكن التراجع عنه. فلبنان اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بحاجة إلى الوحدة الداخلية وتعزيز مؤسساته الوطنية، بعيدًا عن أي ضغوط خارجية.


