في كل مرة، وقبل أي استحقاق انتخابي، كان يطل السيد بهاء الحريري على اللبنانيين – من وراء واجهات تعددت فيها المنابر والوجوه سابقاً – طارحاً نفسه مرشحاً ومنقذاً للبلد ولهم عبر خطاب سياسي عالي السقف، لكنه غارق في العموميات من دون أن يضع أي خارطة طريق حقيقية أو برنامج عملي قابل للتطبيق، في محاولة منه لـ”وراثة” زعامة والده الشهيد، التي آلت من بعده لأخيه الشقيق الرئيس سعد الحريري، الذي حمل عبء الإرث السياسي والوطني وحيداً في أصعب الأوقات وأقساها على المستويين الشخصي والعام، حتى أنهكته التطورات الخطيرة المتسارعة في لبنان والمنطقة، كما الضربات المتلاحقة التي أفقدته ثلة من خيرة رفاقه ومساعديه وأركان تياره السياسي المعتدل عبر الإرهاب والاغتيال، إلى أن وصل إلى حد اتخاذ قرار تعليق عمله السياسي الذي لا يزال سارياً منذ أكثر من 3 سنوات ونيف.
هذه المرة أيضاً يطل السيد بهاء، وإن اختلفت الإطلالة بالشكل، إذ إنها جاءت اليوم عبر شخصه مباشرة وجولته على المرجعيات الدينية واجتماعه ببعض السفراء الأجانب، في ترجمة منه – على ما يبدو – لإعلانه هذه المرة، بلغة الواثق، أنه جاء ليكون على رأس “الحريرية السياسية”، بشكل يُذكّر بـ”الحركات التصحيحية” في الأحزاب العقائدية الشمولية، وبذلك يكون كمن أسقط نفسه بالباراشوت على الناس، ما يعني أنه لم يتعلم شيئاً بعد من تجاربه السابقة التي فشلت كلها بسبب فقدانه لـ”كاريزما” الزعامة والتواضع المحبب لدى الناس، هاتان الميزتان اللتان يمتاز بهما شقيقه الرئيس سعد الحريري وتجعل منه مقرباً من الناس العاديين ومحبوباً برغم كم الأخطاء السياسية التي شابت مسيرته.
في المضمون، لا شيء جديداً، لا في الخطاب ولا في الممارسة التي تبدو أنها استمرار للنهج – الهدف الذي يسعى إليه – على ما يبدو – وهو تحدي شقيقه ومحاربته والأخذ من طريقه، وهو نهج ليس مضمون النتائج كما أثبتت التطورات بالرغم من غياب سعد عن الساحة، ما يدعو للاعتقاد بأن ظهوره وحراكه هذه الأيام على أبواب الانتخابات النيابية، ما هو سوى محاولة للاستثمار في المتغيرات الجديدة في البلد والمنطقة بعد أحداث السنة الأخيرة، سواء في لبنان أو سوريا، حيث هناك نظام جديد يلقى الرعاية و”الدلال” من قِبَل أميركا والغرب، كما من الإقليم – بعربه وتُركه – وهو ما قد يُفسَّر بأنه محاولة لـ”تقديم عروض” لكل هذه الأطراف – السعودية بشكل خاص – بأنه قد يكون الشريك المطلوب في لبنان.
في الوقت الذي يبدو فيه لبنان هذه الأيام بأمسّ الحاجة إلى نهج “الحريرية السياسية” بما تُمثل من اعتدال وطني وحكمة وانفتاح في التعامل مع الآخر، وهي ميزات ثبت أنها لا تتوفر – حتى إشعار آخر – إلا في شخص الرئيس سعد الحريري، بقدر ما هي بعيدة كل البعد عن السيد بهاء الحريري – حتى الآن على الأقل – ولا أدل على ذلك، ومن دون الدخول في مسببات الخلاف العائلي، هو هذا الجفاء المستحكم بينه وبين شقيقه بكل ما يُمثّل من زعامة.
فالسؤال الذي يطرح نفسه هنا، كما يطرحه كل لبناني عاقل، هو: إذا كان السيد بهاء غير قادر على إدارة خلافه “السياسي” مع شقيقه الأقرب، فكيف سيدير علاقاته السياسية مع الآخرين في البلد، بكل ما يمثلون من مشاريع ومشارب متضاربة في السياسة؟ وهو سؤال لا يغيب بالطبع عن بال الراعي العربي للوضع اللبناني، وهو ما يفسر – ربما – عدم صدور أي إشارة من السعودية قد توحي بتبنيها لحراكه هذا، بل ربما العكس، بمعارضته لحراكه مباشرة، في ظل الغموض المسيطر حتى الآن على قرار الرئيس سعد الحريري المشاركة في الانتخابات من عدمه.
ولو أن المؤشرات كلها، سواء على مستوى التيار وغياب النشاط التنظيمي، أو ضغط الوقت القصير المتبقي للانتخابات، كما تطورات الساحة الداخلية بعد قرار الحكومة وضع خطة لحصر السلاح بيد الدولة وحدها، بما قد يجرّه هذا القرار من تداعيات، توحي بأنه قد يُمدد قراره بتعليق العمل السياسي، لكن كل ذلك رهن قراره هو نفسه، وليس لدى أحد أي معطيات عن قراره، لكن تمديد التعليق قد يُشكّل نكسة سياسية للتيار نفسه، ونكسة للعمل الوطني العام، لما يمثله سعد الحريري على المستوى الوطني والسياسي وحتى الشخصي لمناصريه وللبنانيين، كما لـ”الحريرية السياسية” والوطنية التي باتت تائهة بين “انكفاء” الحريري، وبين “اندفاع” بهاء المبني فقط على مبدأ “قوم لأقعد محلك”، في وقت لبنان هو بأمسّ الحاجة لشريك سني فاعل ومتعاون – مع احترامنا لمقام الرئيس نواف سلام الذي يُثبت يوماً بعد يوم بأنه رجل دولة من الطراز الأول، لكنه بحاجة لرافعة شعبية ربطاً بالواقع الطائفي اللبناني – في ظل ما قد يكون “إعادة تأسيس” جديدة للبنان بعد تطورات السنة الماضية، والتي توفر فرصة جديدة له قد لا تتكرر بعد الفرص السابقة التي أضاعها اللبنانيون.
فهل تكون “الحريرية السياسية” جزءاً من مشروع “التأسيس” هذا، أم أنها ستذوب نتيجة الخلافات فتغدو ذكرى تاريخية جميلة عن رجل اسمه رفيق الحريري وهب نفسه للبنان الوطن الواحد، وآخر اسمه سعد الحريري اجتهد بكل إخلاص لمتابعة المسيرة، فأخطأ وأصاب، إلى أن عاكسته التطورات الإقليمية حينما أرادت له أن يكون رأس حربة في الصراع السني – الشيعي في المنطقة، فرفض حرصاً على وطنه وطائفته ونقاء سيرة عائلته التي لم تتلوث بدم الأبرياء، فاختار الانكفاء؟
وحدها تطورات الأسابيع والأشهر المقبلة قد تحمل الجواب والخبر اليقين.


