ناقشت الجلسة الأخيرة لمجلس الوزراء اللبناني ملف تسليم سلاح “حزب الله”، في ظل الظروف الصعبة التي يمر بها لبنان على الصعيدين الداخلي والخارجي. وقد أصبح هذا الملف بندًا أساسيًا على جدول الأعمال، خصوصًا مع اقتراب الموعد المحدد لتسليم اللجنة العسكرية في الجيش اللبناني تقريرها النهائي في 31 آب. ويتضمّن التقرير خطة تفصيلية حول كيفية تطبيق مبدأ “حصرية السلاح بيد الدولة”، إضافة إلى جدول زمني وآليات التنفيذ.
التحديات الداخلية والخارجية
في مواجهة هذا القرار، تبرز تساؤلات عديدة حول كيفية تعامل الحكومة اللبنانية مع المقررات التي اتُّخذت في جلستي الخامس والسابع من آب، ولا سيما في ظل التحديات المعلنة من “حزب الله”. فقد أكد الحزب أنه لن يسلم سلاحه، وأنه مستعد لخوض “معركة مصيرية” إذا اقتضى الأمر، مشبّهًا ذلك بمعركة كربلاء. وهو ما يعكس محاولة لدمج البعد المذهبي بالسياسي، بهدف شدّ العصب الطائفي وفرض عقيدته على مختلف المكونات اللبنانية.
الموقف الأميركي والإقليمي
من جانبها، أعلنت الولايات المتحدة على لسان المتحدث باسم البيت الأبيض أن “الخطوات النظرية قد اتُّخذت، ونحن ننتظر الخطوات التطبيقية في كيفية التعامل مع هذا القرار”. وهذا يعني أن المجتمع الدولي ينتظر التقرير النهائي للجنة العسكرية اللبنانية لتحديد آلية التنفيذ.
في الوقت نفسه، شكّلت زيارة علي لاريجاني، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، إلى بيروت محطة محورية في سياق هذا التحدي. إذ تسعى إيران إلى تعطيل القرار اللبناني، في ظل استمرار وجود سلاحها بيد “حزب الله”. ولم تبادر طهران، عبر مرشدها، إلى سحب هذا السلاح من لبنان، بل تمارس ضغوطًا على الطبقة السياسية لإلغاء مفاعيل القرارات الحكومية.
الزيارة الإيرانية والضغط على الداخل اللبناني
جاءت زيارة لاريجاني في إطار محاولة التأثير على لبنان، إلا أنها بدت متأخرة، بعدما تراجعت قدرة إيران على الإمساك بزمام الأمور كما كان الحال في السابق. فقد أضعفت التطورات الإقليمية والتراجع الإيراني على أكثر من جبهة من نفوذ طهران، ما جعل تأثيرها في الداخل اللبناني أقل. في هذا السياق، بات سلاح حزب الله نفسه يشكل تهديدًا للأمن الوطني، وسط تزايد القلق من انعكاساته على استقرار البلاد.
الموقف الدولي: وصول توماس براك ومورغان أورتاغوس
وفي إطار الضغوط الدولية، ينتظر لبنان وصول توماس براك ومورغان أورتاغوس في 18 آب، في زيارة تهدف إلى دفع الحكومة اللبنانية نحو تحويل قراراتها إلى خطوات عملية ملموسة. وتُعتبر هذه الزيارة مهمة لأنها تتصل مباشرة بأمن الحدود وتسوية النزاعات حول الأراضي المحتلة وحماية لبنان من التهديدات الإسرائيلية، وهي مسائل ترتبط بشكل وثيق بخطة نزع السلاح.
التحديات الأمنية: الحدود الجنوبية والتوتر مع إسرائيل
يقع على عاتق الجيش اللبناني اتخاذ إجراءات جدية لحماية البلاد وتحصين حدودها، خصوصًا في ظل التهديدات الإسرائيلية المتكررة. كما أن التوتر مع إيران يثير المخاوف من احتمال اندلاع مواجهة جديدة مع إسرائيل. وهكذا تجد الحكومة اللبنانية نفسها أمام مفترق طرق: إما أن تنجح في الحفاظ على سيادة الدولة وتنفيذ قراراتها، أو تبقى خاضعة لهيمنة موازية يفرضها “حزب الله”.
الوضع اللبناني الراهن: بين الضغوط الداخلية والخارجية
تحاول الحكومة اللبنانية، رغم التحديات والضغوط، إيجاد توازن بين تنفيذ قراراتها وتحقيق الاستقرار الداخلي، وبين مواجهة ضغوط إيران وحزب الله من جهة، والتهديدات الإسرائيلية من جهة أخرى. ومن المتوقع أن تتصاعد الضغوط في الأيام المقبلة، لا سيما مع الزيارة المرتقبة لوزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبد اللهيان لمتابعة كيفية تعاطي الحكومة مع تقرير اللجنة العسكرية.
يقف لبنان اليوم أمام مرحلة مفصلية: فإما أن تسود سيادة الدولة ويُنفَّذ قرار حصرية السلاح بيدها، أو يستمر “حزب الله” في فرض قوته على الواقع اللبناني، ما يفرغ الدولة من سلطتها ويفتح الباب أمام تصعيد مستمر قد لا يقوى لبنان على تحمّل تداعياته.


