مع انتهاء شهر آب ودخول أيلول، الذي يُقال عن نصفه إنه مبلول، يبدأ اللبنانيون بالتحضير لموسم الأمطار والشتاء المعتاد، الذي غالبًا ما يفرض نفسه بقسوة عبر فيضانات تجتاح شوارع لبنان من الشمال إلى الجنوب، مع تأثير واضح على العاصمة بيروت، حيث تغمر المياه شوارعها الحيوية وتعرقل حركة السير والحياة اليومية.
الموسم الماضي لم يكن غنيًا بالأمطار، لكن التجارب السابقة أثبتت أن كل مطر غزير يعيد الشوارع إلى الفوضى، الأمر يطرح السؤال التالي: هل ستتحرك الجهات المسؤولة مبكرًا، أم ستبقى الأمور منسية تحت وطأة الإهمال؟
مع اقتراب موسم الأمطار، حذرت جمعية اليـازا للسلامة المرورية من تكرار المأساة السنوية التي يعيشها اللبنانيون نتيجة انسداد شبكات صرف مياه الأمطار وغياب الصيانة الوقائية. وأكدت أن الأعوام الماضية شهدت غرق عشرات السيارات والمواطنين في أنفاق وشوارع مكتظة بالمياه، وتسببت السيول بحوادث سير عديدة، وأدت إلى إصابات ووفيات وخسائر مالية بملايين الدولارات في الممتلكات والبنى التحتية.
وشددت على أن تحول طرق وشوارع لبنان إلى بحيرات وأنهار خلال ساعات قليلة لم يعد أمرًا مقبولًا، وأن السبب المباشر هو الإهمال والتقصير الفاضح من معظم البلديات والوزارات المعنية.
وقالت اليـازا في بيانها إنّها تطالب بما يلي:
تنظيف فوري وشامل لشبكات صرف مياه الأمطار قبل منتصف أيلول لضمان جهوزية الطرق مع بداية الموسم.
اعتماد خطط صيانة طارئة ومراقبة مستمرة طوال فصل الشتاء لتفادي أي فيضانات أو أضرار لاحقة.
تحميل المسؤولية القانونية والجزائية للجهات المقصّرة عن أي ضحايا أو أضرار صحية ونفسية للمواطنين، بما يشمل الأمراض والأوبئة الناتجة عن تجمع المياه في المنازل والشوارع.
دعوة المواطنين للالتزام بعدم رمي النفايات على الطرق التي تسد مجاري المياه والأنهار حفاظًا على سلامتهم وسلامة الآخرين.
مطالبة الوزارات المعنية (الداخلية، الطاقة، الأشغال العامة) بالتحرك الفوري لتنظيف شبكات مياه الأمطار والصرف الصحي ومجاري المياه والأنهار، مع وضع آلية متابعة يومية لضمان التنفيذ الكامل.
في مثل هذا الوقت من السنة، يفترض أن تبدأ البلديات والوزارات المعنية في لبنان بالتحضيرات الضرورية لموسم الأمطار: تنظيف المجاري وشبكات الصرف، مراقبة الأنهار الصغيرة والكبيرة، وصيانة الطرق الحيوية لتجنب الفيضانات، مع اهتمام خاص بالعاصمة بيروت حيث تتكرر الأزمة كل موسم. والسؤال الذي يطرحه المواطنون اليوم: هل ستغرق بيروت هذا الموسم بفعل الأمطار كما في السنوات السابقة؟
عطية: تحضيرات مبكرة لتفادي الفيضانات
أكد رئيس لجنة الأشغال النيابية النائب سجيع عطية في حديث لـ”لبنان الكبير” أنّ الجهات الرسمية بدأت فعليًا باتخاذ الإجراءات الوقائية تفاديًا لتكرار المشاهد التي اعتاد عليها اللبنانيون في السنوات الماضية.
وقال عطية: “طلبنا من وزارة الطاقة والبلديات تنظيم وتنظيف مجاري المياه، ووزارة الأشغال تعمل حاليًا على صيانة البنية التحتية، من قنوات تصريف ومجاري رئيسية”. وأضاف: “هناك خطة عمل موضوعة، لكن المشكلة الأساسية تكمن في المتساقطات التي غالبًا ما تفوق القدرة الاستيعابية للشبكات، إضافة إلى التعديات والعشوائيات التي تزيد من حدة الأزمة”.
وأوضح عطية أنّ لجنة الأشغال النيابية ستتابع الملف بشكل دوري من خلال جلسات مخصصة تجمع الوزارات والجهات المعنية، مؤكّدًا أنّ “التحضيرات جارية والوزارات المختصة تستعد للموسم الشتوي، على أمل ألا نشهد المشاهد المأسوية نفسها التي تكررت في الأعوام الماضية”.
وختم عطية بالقول: “نحن أمام اختبار حقيقي، والتحضير مسؤولية مشتركة بين الدولة والبلديات والمواطنين. المطلوب الوعي والتعاون حتى لا تغرق شوارعنا من جديد مع أول عاصفة”.
جهوزية بيروت للفيضانات
العاصمة بيروت، التي اعتادت سنويًا مشهد الطرقات الغارقة والمجاري المسدودة، تنتظر هذه المرة ما إذا كان المجلس البلدي سيتمكّن من إثبات جديته في العمل الإنمائي عبر معالجة هذا الملف المزمن. ولعلّ الامتحان الأبرز للمجلس يتمثل في قدرته على تجنّب تكرار الكارثة نفسها، من خلال تحضيرات استباقية وإجراءات ملموسة تحمي العاصمة من الفيضانات التي أرهقت شوارعها وأحيائها في السنوات الماضية.
وفي هذا الإطار، يؤكد عضو مجلس بلدية بيروت، المحامي الدكتور محمد بالوظة، عبر “لبنان الكبير”، أنّ المجلس وضع خطة واضحة وبدأ تنفيذها على الأرض، قائلاً:
“في الجلسة الثانية للمجلس البلدي، اتُخذ قرار أساسي يقضي بتلزيم ثلاثة أعمال مترابطة: أولاً، تثبيت المصارف المائية والمجاري، ثانيًا تنظيفها بشكل شامل، وثالثًا فتحها وتسليكها لضمان انسياب مياه الأمطار ومنع أي انسداد. هذه الخطوات تأتي ضمن خطة شاملة لتفادي غرق العاصمة”.
وكشف بالوظة أنّ الأعمال انطلقت فعليًا، موضحًا: “اليوم إذا نزلت إلى الشوارع ستجد الورش تعمل على تنظيف المصارف المائية والمجاري. وقد جرى إدخال تجهيزات حديثة إلى الخدمة، بينها آلة جديدة قدمتها شركة ليونا، قادرة على فتح كل المجاري وضمان تدفق المياه بشكل سلس نحو البحر أو محطات المعالجة قبل تصريفها مجددًا”.
وأضاف: “نحن نأخذ كل الإجراءات الاحتياطية لتجنّب أي طوفان محتمل في بيروت. طبعًا، إذا حصلت ظروف استثنائية أو أمور غير عادية، فهذا أمر خارج عن المألوف، لكن ضمن إمكانياتنا نحن ملتزمون بالقيام بكل ما يلزم”.
وشدّد بالوظة على أنّ هذه الأشغال تشمل العاصمة بأكملها من دون استثناء: “بيروت كلها تحت مظلة هذه الأعمال، من الأحياء الشعبية إلى الأحياء السكنية الأخرى، لأن الهدف حماية كل المواطنين بلا تمييز”.


