استعمار الرجل الأبيض.. وصاية لم تمت

معتز قطينة

تجسيدٌ صارخٌ لعقليةٍ استعماريةٍ بغيضةٍ لم تمت بعد. المشهد في قصر بعبدا لم يكن زلّةَ لسانٍ دبلوماسية، وإنّما مثالٌ حيّ للعقلية التي لا تزال ترى فينا، نحن أبناء هذا الشرق، مجرّد “آخر” متوحّش، فوضوي، بحاجةٍ مستمرة إلى وصاية الأبيض المتحضّر ليعلّمنا أصول السلوك القويم.

وقف المبعوث الأميركي الخاص، توم باراك، على منبر الرئاسة اللبنانية، واصفًا محاولات الصحافيين للحصول على تصريحاته بـ”السلوك الحيواني”. لا يُهين هذا التعليق الصحافة اللبنانية فحسب، بل الصحافة العربية أيضًا، والعرب برمّتهم. وهو بلا شكّ يُذكّر مَن نَسي أنّ نظرة المستعمِر القديم لا تزال حيّةً تُرزق، وتتمشّى وتلهو في أروقة الدبلوماسية الغربية، وإنْ تغيّرت أدواتها وطرائق التعبير عنها.

يكشف هذا الحدث عن بنيةٍ عميقةٍ في العقل الاستعماري المعاصر، الذي تطوّر من أشكاله الكلاسيكية المباشرة إلى صيغٍ أكثر تعقيدًا والتفافًا. فحين يعظ المبعوث الأميركي توم باراك الصحافيين بضرورة التصرّف “بحضارة” وعدم الانجرار إلى “السلوك الحيواني”، فكأنّ هذه القِيَم حِكرٌ على عالمه الغربي. إنّه لا يتعالى على الحضور بشكل شخصي فحسب، بل يستدعي منظومةً كاملة من الثنائيات الاستشراقية التي تضع الغرب في موقع المعلّم والحَكم، والشرق في موقع التلميذ المشاغب الذي يحتاج إلى تأديبٍ مستمر وشهادةِ حسنِ سلوكٍ من مبعوثِ دولةٍ لا يتجاوز تاريخها المبنيّ على سرقة الأراضي وسفك الدماء بضعةَ قرون.. يا لوقاحة المشهد!

هذا الخطاب، وإن بدا عفويًّا كما أشار بيان الرئاسة اللبنانية، يحمل في طيّاته إرثًا طويلًا من التمثيلات الاستعمارية التي صوّرت الشرق باعتباره مساحةً للفوضى والعنف واللاعقلانية، في مقابل التحضّر المزعوم للغرب وعقلانيته. الأمر الذي يعيد إنتاج مفهوم الاستشراق وفقًا للراحل إدوارد سعيد، وهو ذاته النظام الذي بدا في ظاهره دراسةً للشرق، لكنّه استُخدم لاحقًا لتبرير الهيمنة وإضفاء الشرعية على تدخلاتهم. والأدهى من ذلك أن يربط براك بين ادعاءاته والمشاكل التي تحدث في المنطقة، في تعميمٍ بائسٍ يختزل تعقيدات العالم العربي وتاريخه في صورةٍ نمطيةٍ واحدة: فوضى أصيلة تتطلّب تدخّلًا خارجيًّا لترويضها، متجاهلًا بذلك تاريخًا طويلًا من التدخلات والحروب التي كانت بلاده طرفًا أساسيًّا فيها، إن لم تكن المحرّك الرئيس لها!

إنّ الأثر الأعمق لهذا النوع من الخطابات المتعالية لا يكمن في تعمّد الإهانة المباشرة للصحافيين أو العرب، بل في قدرته على تشكيل الوعي وإعادة إنتاج علاقات القوّة. فهو يُسهم في ترسيخ نظرةٍ دونيّةٍ للذات العربية، ويُعزّز الشعور بالحاجة إلى الاعتراف والقبول من الآخر الغربي. لم يكن ذاك كلامًا عفويًّا، ولا زلّة لسان، وإنّما تعبيرٌ حقيقي يمثّل النظرة الفوقية المتجذّرة. وليتَ الرئاسة اللبنانية طالبت باعتذارٍ رسميٍّ وواضح.

ليست هذه المرّة الأولى التي نشهد فيها هذا التعالي المقيت. تاريخ التدخّلات الغربية في المنطقة حافل بمثل هذه المواقف التي تكشف عن عقليةٍ استعلائية متجذّرة، منذ وعد بلفور الذي منح فلسطين أرضًا لا يملكها لشعبٍ لا يستحقّها، مرورًا باتفاقية سايكس – بيكو التي قسّمت المنطقة كأنّها كعكة، وصولًا إلى غزو العراق وأفغانستان تحت ذرائع كاذبة. يتعامل الغرب مع المنطقة، وربما مع بقية العالم، بوصفهم مجرّد بيادق على رقعة شطرنج، لا إرادة لهم ولا شأن. يتحدّثون عن نشر الديمقراطية وهم يدعمون أكثر الأنظمة استبدادًا، ويتشدّقون بحقوق الإنسان بينما يغضّون الطرف عن جرائم الاحتلال الإسرائيلي في غزّة التي لم تتوقّف منذ عامين، ثم يأتي مبعوثهم ليلقي علينا دروسًا في “الحضارة”.

ويمكن النظر إلى هذا الموقف على أنّه امتدادٌ طبيعي، وغير مفاجئ، لخطاب الاستشراق الكلاسيكي الذي يصوّر الشرق على أنّه عالمٌ غريب، شهواني، متطرّف، وغير عقلاني، بحاجةٍ دائمة إلى وصاية الغرب العاقل والمتحضّر. وكان هذا الخطاب أداتهم السياسية لتبرير الهيمنة والاستعمار. واليوم، ينفلت هذا الخطاب المتغطرس من لسان الأميركي بصيغة جديدة، أكثر وقاحة ربما، على لسان يفترض أنّه دبلوماسي. وبدلًا من الاعتراف بفشل سياسات بلاده وتدخلاتها في المنطقة، يختار أن يُلقي باللوم على “السلوكيات” المزعومة، التي تمثّل انعكاس رؤيتهم.

لقد حفظت ردود الفعل الشعبية الغاضبة على وسائل التواصل الاجتماعي من الصحافيين والجماهير، وبعض المواقف النقابية، ما تبقّى من ماء الوجه، وأثبتت أنّ ثمة من لا يزال يرفض الإملاءات والإهانات. لكن المطلوب اليوم ليس مجرّد الغضب، بل العمل بشكل جادّ وسريع على تطوير استراتيجية ثقافية وسياسية شاملة لمواجهة هذا النوع من الهيمنة التي تتنوّع أشكالها. وهذا يتطلّب، أوّلًا، إعادة بناء الثقة بالذات الحضارية العربية، وتطوير خطابٍ نقديّ يرفض التبعية دون أن يسقط في الانغلاق.

كما يتطلّب تطوير إعلامٍ عربي قادر على تقديم سرديّةٍ مضادّة للسرديات الاستعمارية، سرديّة تعترف بالمشاكل والتحديات دون أن تقبل بالحلول المفروضة من الخارج. وإلى جانب ذلك، ينبغي تفعيل دور المؤسسات الفكرية والإعلامية والثقافية في التعامل مع خطاب الغرب من موقع الندّ للندّ، لا من موقع البحث عن الاعتراف والقبول.

إنّ حادثة باراك يجب أن تعلّق الجرس، وتذكّرنا بأنّ العمل من أجل التحرّر والاستقلال لم ينتهِ بعد. فالاستعمار الفكري والثقافي لا يزال حيًّا ومستمّرًا بعد نحو قرن من بداية تلاشي الاستعمار العسكري. وعلينا أن نرفض هذه النظرة الدونية المفروضة علينا، وأن نؤمن بأنفسنا وتاريخنا، والأهم أن نؤمن بحاضرنا وقدرتنا على بناء مستقبلٍ أفضل، بعيدًا عن وصاية أيّ مستعمِرٍ جديد.

شارك المقال