لبنان وحكم “ست الكل”… بين المسرحية والواقع!

ياسين شبلي

تُذكّرني زيارات مورغان أورتاغوس المتتالية إلى لبنان، والضجة الإعلامية التي تثيرها، لا سيّما على وسائل التواصل الاجتماعي – المُبالغ فيها والمفتعلة ربما – وما يرافق ظهورها دائماً من اهتمام، كما حصل مؤخراً مع المزيّن اللبناني طوني مندلق ومصمّم الأزياء إيلي صعب، أو في حفلات العشاء التي تُقام على شرفها، بحيث تبدو وكأنها “ست الكل” في البلد، تذكّرني بمسرحية حملت هذا الاسم للشحرورة صباح، عُرضت عام 1974، من تأليف المبدع الراحل وسيم طبارة. مع فارق أن شخصية صباح كانت لمواطنة لبنانية صالحة، فيما تناولت المسرحية حكاية حاكم فاسد ومقامر ينوء تحت دين كبير، فيعرض عليه صاحب الدين – الأجنبي – أن يلعب “برتيتة” أخيرة مقابل أن يستعيد أمواله في حال الربح، أو أن يتخلى عن الحكم لمدة 24 ساعة إذا ما خسر الرهان هذه المرة. وهكذا كان.

وفي هذه الأثناء تعود إحدى المواطنات من المهجر – التي لعبت دورها صباح – لتكتشف الأمر، فتعمد إلى دفع الدين للأجنبي، وتتسلّم الحكم لمدة 24 ساعة لتصبح بعدها “ست الكل”، وتسعى خلالها لإصلاح ما يمكن إصلاحه.

هذه المسرحية الجميلة والهادفة، كغيرها من مسرحيات ذلك الزمان، كانت تمثّل ما يشبه “النبوءة” بما سيؤول إليه حال البلد إذا ما استمر الحكم يومها في تعنّته، متجاهلاً الإصلاح المطلوب نتيجة المتغيرات الموضوعية التي طالت كل مناحي الحياة في المجتمع اللبناني فضلاً عن الإقليم.

ما ذكّرني بالمسرحية وشخصياتها هو استمرار تشابه الوضع في لبنان، وبعد حوالي نصف قرن من الحروب و”المقامرات” التي تعرّض لها، وأوصلته إلى ما هو عليه نتيجة سياسات وممارسات حكامه. يستمر هذا التشابه مع أحداث المسرحية وشخصياتها: من شخصية السياسي المقامر وحاشيته، إلى الفساد المستشري في كل مجالات الحياة، إلى الإفلاس المالي والاقتصادي الناتج عن هذا الفساد والنهب المنظّم، وصولاً إلى الشروط التي بات يفرضها علينا العالم نظير محاولة استعادة الدولة سيرتها الطبيعية.

وهكذا بات يتوالى على زيارتنا توماس باراك وأورتاغوس تارة، ويزيد بن فرحان وجان إيف لودريان تارة أخرى، في محاولة لإعادة الأمور إلى سكّتها الصحيحة ولو عبر “تولي الحكم بالواسطة” من خلال الشروط التي يفرضونها مقابل “الدَّين” المتراكم علينا، نتيجة سوء إدارة الحكم التي شارك بها الجميع، كما المقامرات التي أُدخلنا فيها في الداخل وعلى مستوى الإقليم، والتي كانت أكبر من إمكانياتنا وقدرتنا على تحمّل تبعاتها. والمؤذي أكثر أنها كانت مقامرات تُلعب لحساب غيرنا من “المقامرين الكبار” في المنطقة، بحيث كان الغُنم – إن حصل – لهم، والغُرم – وهو الغالب – علينا. حتى وصل بنا الأمر إلى أن بتنا نتعلق بكلمة أو موقف يتفوّه به أحد المبعوثين، أو نتسوّل ابتسامة ولو كانت صفراء من “ست الكل” أورتاغوس في إحدى إطلالاتها، علّها توحي لنا بما ينتظر بلدنا وأرضنا من مستقبل في ظل التعنّت والاستكبار الذي يتعامل به معنا العدو الصهيوني.

ومع ذلك لا يزال البعض في لبنان يتعامل مع الأوضاع وكأن شيئاً لم يكن. فبعد النكبة التي حلّت جراء الحرب الأخيرة والتي كُرّست باتفاق وقف إطلاق النار غير المتوازن، نتيجة ميزان القوى على الأرض، وهو ما تؤكده الأحداث يومياً، لا يزال البعض يمارس فعل الإنكار والمكابرة ويتحدث بلغة ما قبل 8 أكتوبر 2023. فيما يتصرّف البعض الآخر – في الجانب المقابل من المشهد – بلغة “المنتصر”، مستعجلاً تسييل هذا “النصر” لمكاسب سياسية، بحيث لا يمانع في الذهاب بالبلد إلى الصدام لتحقيق أجندته. وهو بذلك يلتقي – عن قصد أو غير قصد – مع الفريق الأول الذي يدّعي معارضته، في معايشة الوهم الذي يسيطر على كليهما.

أمّا الواقع اليوم فيقتضي الاصطفاف خلف الدولة بكل صدق والتزام، ودعم المسؤولين عنها الذين يوحون – اليوم أكثر من أي وقت مضى – بالثقة والإحساس بالروح الوطنية العالية والمسؤولية، من خلال طريقة ممارستهم للسلطة واتخاذهم القرارات الشجاعة والجريئة، قناعةً ومواكبةً – وليس إذعاناً كما يتصور البعض ويُروَّج – للجهود العربية والدولية لإعادة لبنان إلى مصاف الدول الطبيعية التي غادرها منذ حوالي نصف قرن.

هذا هو الطريق الوحيد – على وعورته وصعوبته – للخروج من أزماتنا. فإذا ما استمرت ولم يوجد لها حلّ دائم وسريع، في ظل المتغيرات في المنطقة والتغوّل الصهيوني فيها، باتت تهدد لبنان في كينونته كبلد نهائي لكل اللبنانيين، وبوحدة أراضيه التي قد نخسر أجزاء منها بالاحتلال بصورة نهائية وليست مؤقتة لـ”ست الكل” في المنطقة. وهذه المرة ليست مواطنة لبنانية كما في المسرحية، ولا وسيطة كما هو حال أورتاغوس اليوم، بل هي إسرائيل، بكل ما تعنيه من غطرسة وعدوانية وظلم.

قد يعتبر البعض هذا الكلام انهزامياً، لكننا نراه واقعياً وتوعوياً، لأن الاعتراف بالواقع هو دعوة للتفكير والتحليل. وليس من العيب الاعتراف بهزيمة هنا وأخرى هناك في صراع وجودي طويل له جوانب عديدة، إضافة إلى الجانب العسكري، ولن ينتهي بانتهاء معركة. بل العيب هو في تضليل الناس وتغييب وعيهم، والرمي بهم في نار الخيارات الانتحارية المدمّرة، تارة باسم الله والدين، وأخرى باسم الوطن والمقاومة.

أفلا تعقلون؟

شارك المقال