العرب في بلاد الشام: بين صعود إيران وسيطرة الولايات المتحدة

خالد العزي

منذ بداية الألفية الجديدة، شهدت منطقة بلاد الشام تحوّلات كبرى تركت العرب في مواجهة تحديات جسيمة. هذه التحديات لم تكن مجرد صراعات سياسية، بل تضمنت تحوّلات عميقة في النفوذ الإقليمي والصراع الطائفي، اللذين أصبحا جزءًا لا يتجزأ من واقع المنطقة.

غزو العراق واحتلال أفغانستان

في عام 2001، أدّت أحداث 11 أيلول إلى تحوّل جذري في السياسة الأميركية تجاه منطقة الشرق الأوسط. فبعد غزو أفغانستان عام 2001، أطلقت الولايات المتحدة حملة عسكرية للسيطرة على “تنظيم القاعدة” وحلفائه، لتتبعها في 2003 حرب العراق التي أسفرت عن إسقاط نظام الرئيس العراقي صدام حسين.

منذ اللحظة التي دخلت فيها القوات الأميركية إلى العراق، بدأ توازن القوى في المنطقة يتغيّر بشكل جذري. كانت الولايات المتحدة قد نجحت في تدمير البنية السياسية العراقية، لكنها في المقابل فتحت الباب أمام قوى أخرى للتسلل إلى المنطقة، وفي طليعتها إيران.

إيران: الاستفادة من الفراغ الأمني

بعد سقوط بغداد وظهور الفراغ السياسي والأمني في العراق، سارعت إيران إلى ملء هذا الفراغ من خلال دعم الميليشيات الشيعية والأحزاب العراقية الموالية لها. وكان هذا التحرك بداية توسّع إيراني غير مسبوق في المنطقة. في البداية، انحصرت التحركات الإيرانية في العراق، لكنها سرعان ما امتدت إلى سوريا ولبنان واليمن.

كان شعار “تحالف الأقليات”، الذي تبنّته إيران في المنطقة، جزءًا من استراتيجيتها لخلق تحالف طائفي يضم الشيعة والعلويين والفرس، بهدف تقويض الهيمنة السنية في المنطقة. واستطاعت إيران عبر هذه الاستراتيجية أن تبني شبكة نفوذ أمني وعسكري لا مثيل لها، مما جعلها أحد اللاعبين الرئيسيين في المنطقة.

العرب بين الحصار والتحوّلات السياسية

في المقابل، عانى العرب في بلاد الشام من ضغط متزايد. فمع تصاعد النفوذ الإيراني، تعزّزت الانقسامات الطائفية في سوريا والعراق ولبنان. في العراق، أُجبر السنّة على مواجهة النفوذ الشيعي المدعوم من إيران، ما أدّى إلى ظهور مجموعات مسلحة سنية تهدف إلى مقاومة الاحتلال الإيراني والنفوذ الشيعي. كما نشأت جماعات متطرفة مثل “داعش”، التي استفادت من حالة الفوضى في العراق وسوريا.

أما في سوريا، فقد كانت الحرب الأهلية بمثابة نقطة تحوّل كبرى. فمع صعود النظام السوري بقيادة بشار الأسد، المدعوم من إيران، ارتفعت وتيرة العداء ضد العرب السنّة. وتحول الصراع الداخلي إلى صراع طائفي مباشر، حيث وقفت إيران والنظام السوري في صف واحد ضد قوى المعارضة ذات الغالبية السنية.

كانت هذه الفترة عصيبة على المجتمعات السنية في بلاد الشام، إذ وجدت نفسها في مواجهة خصمين قويين: إيران التي توسّع نفوذها بسرعة، والولايات المتحدة التي دعمت أنظمة رأت أن حماية مصالحها في المنطقة تقتضي دعم القوى الشيعية أو العلوية.

التحولات الإيديولوجية: من العداء إلى التحالف

مع مرور الوقت، تغيّرت استراتيجيات السياسة الإقليمية. إذ أصبح لدى إيران وتركيا، وكلاهما في موقع قوة إقليمية، مصالح متناقضة. وبينما سعت تركيا إلى تعزيز تحالفاتها مع القوى العربية، عملت إيران على بناء محاور قائمة على تحالف الأقليات، مما عمّق حالة التوتر بين العرب السنة وخصومهم الإقليميين.

في النهاية، وجد العرب في بلاد الشام أنفسهم بين مطرقة الهيمنة الإيرانية وسندان السياسة الأميركية، التي مهّدت الطريق لتوسيع النفوذ الشيعي. لم تكن هذه التحولات مجرد صراعات سياسية أو عسكرية، بل كانت تجسيدًا لمعركة وجودية للمجتمعات في المنطقة. فبينما يسعى العرب إلى الحفاظ على هويتهم، وجدوا أنفسهم أمام تحديات فرضها صانعو القرار الإقليميون والدوليون.

مع استمرار التوترات، باتت المجتمعات السنية بحاجة إلى استراتيجيات جديدة للمطالبة بحقوقها وتحقيق التوازن الإقليمي. ولا شك أن سنوات من الصراع والعنف شكّلت مستقبلهم، لكن السؤال يبقى: هل يمكن للأطراف السنية إعادة تعريف مكانتها في المشهد الإقليمي بعد كل هذه التحولات؟

هذا المقال لا يقدم سوى لمحة عن صراع طويل ومعقد، لكنه يسلّط الضوء على حقبة حرجة قد تظلّ ترسم حاضر ومستقبل العرب السنة في بلاد الشام لعقود قادمة.

شارك المقال