تعيش بيروت منذ أيام على وقع سجال واسع، بعد الإعلان عن مبادرة لإضاءة صخرة الروشة، أبرز معالم العاصمة اللبنانية، بصورة الأمين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصرالله ورئيس المجلس التنفيذي في الحزب هاشم صفي الدين، في الذكرى السنوية الأولى لاغتيالهما. خطوة لم تمر مرور الكرام، بل فتحت الباب أمام جدل قانوني وسياسي وشعبي بين من يراها تكريماً لـ”رموز مقاومة دافعت عن لبنان”، ومن يعتبرها “استفزازاً يحمّل المعلم الوطني أبعاداً حزبية ضيقة”.
الروشة، تلك الكتلة الصخرية الشامخة وسط البحر، ليست مجرد وجهة سياحية أو مشهداً طبيعياً يزيّن بطاقات بيروت البريدية، بل هي رمز لهوية المدينة وذاكرتها الجماعية، ما جعلها في صلب النقاش: هل يجوز استخدامها مساحة لعرض صور أو شعارات حزبية؟ أم يجب أن تبقى فوق كل الانقسامات، مرآة لوحدة العاصمة وتنوّعها؟
قانونياً، الصورة أوضح. فكل نشاط يُقام على أملاك عامة أو معالم وطنية يحتاج إلى إذن مسبق من الجهة المسؤولة، سواء البلدية أو القوى الأمنية المعنية. وصخرة الروشة، بحكم موقعها الجغرافي، تقع ضمن صلاحيات بلدية بيروت، ما يعني أن أي مبادرة من هذا النوع تستوجب موافقة مسبقة، وهو ما لم يحصل في هذه الحالة. فالمشروع أُعلن عنه من دون العودة إلى المجلس البلدي أو سلوك المسار القانوني المعتمد، الأمر الذي فتح الباب أمام تساؤلات حول شرعية الخطوة.
سياسياً، تعدّدت القراءات وتناقضت المواقف. النائب نبيل بدر شدّد على أنّ “الروشة رمز جامع لا يجوز تحويله إلى مساحة لمناسبات حزبية”، بينما اعتبر النائب فؤاد مخزومي أنّ “المعلم الوطني يجب أن يبقى رمزاً للوحدة والتنوّع، لا منصة للدعاية السياسية”. في المقابل، ردّ “حزب الله” مؤكداً أنّ “نصرالله وصفي الدين يمثلان مدرسة في التضحية والفداء من أجل لبنان وفلسطين، وتكريمهما واجب معنوي وأخلاقي”.
بلدية بيروت: لم نمنح موافقة ولن نمنحها
كشف مصدر مطلع في محافظة بيروت لموقع “لبنان الكبير” أن “هذه الأمور من صلاحية وزارة الأشغال، كون الأشغال الخاصة بالإضاءة والأمور التقنية على الأرض تعود إليها، كما أن النشاط ككل على صخرة الروشة يعود إلى بلدية بيروت”. وأضاف المصدر أن “البلدية، ومن شخص محافظ بيروت، لم تتلق أي إذن أو معلومات عن هذه الخطوة، وبحسب المعلومات المتوفرة، فإن المحافظ لم يعطي موافقة ولن يعطيها لتنفيذ هذا الموضوع”.
وبتوافق مع هذه المعلومات، شدد نائب رئيس بلدية بيروت، راغب حداد، في حديثه الخاص لموقع “لبنان الكبير”، على أن إضاءة صخرة الروشة “لم تتم بإشعار مسبق للبلدية أو لمجلسها البلدي”. وأوضح حداد أن “أي نشاط يُقام في العاصمة يحتاج إلى موافقة رسمية من البلدية أو من المحافظ، وهذا الأمر لم يحصل”.
وأضاف أن “الخطوة نُفذت من دون أي تواصل مع بلدية بيروت أو المجلس البلدي، وبالتالي لم تُعرض الإجراءات المتعلقة بها على المراجع المختصة كما ينص القانون”. وعن الإجراءات الممكن اتخاذها، قال حداد: “بلدية بيروت لا تملك جهازاً مسلحاً، وبالتالي في حال جرت نشاطات معينة من دون موافقة قانونية، فعلى القوى الأمنية أن تتسلم زمام الأمور وتمنع حصولها”.
الصادق: إضاءة صخرة الروشة خطوة تستفز البيروتيين
اعتبر النائب عن بيروت وضاح الصادق، في حديث خاص لموقع “لبنان الكبير”، أن خطوة إضاءة صخرة الروشة بصورة الأمين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصرالله “غير قانونية وتشكل استفزازاً لأهالي العاصمة”.
وقال الصادق: “الموضوع لا يمكن التعامل معه بخفّة، لأن الصور التي رُفعت ليست لشخصيات رسمية في الدولة اللبنانية. من غير المقبول أن يقرر أي حزب أو مجموعة أن يضع صوراً في الأماكن العامة من دون أي صفة رسمية”.
ولفت إلى أنّ “البعض شبّه ما حصل برفع صور شخصيات عربية أو أعلام دول أخرى في مناسبات سابقة، لكن الفرق أنّ تلك المناسبات كانت برعاية الدولة اللبنانية أو جهات رسمية معترف بها كالأمم المتحدة والجامعة العربية، فيما صورة نصرالله لا تندرج في هذا الإطار”.
وأشار الصادق إلى أنّ “بلدية بيروت لم تكن على علم بالخطوة، ولا صلاحية لها للسماح بها، بل على العكس، من واجب الدولة أن تمنع استغلال الأماكن العامة لهذا النوع من الاستخدام السياسي”. وأضاف: “بيروت مدينة لكل اللبنانيين، ولا تنتمي إلى حزب أو تيار. ما حصل خطوة ناقصة من الحزب، وتزيد من منسوب التوتر وتستفز شريحة كبيرة من أهالي العاصمة، خصوصاً بعد التجارب السابقة التي دفعت المدينة ثمنها باهظاً”.
قاسم قصير: هي تحية للمقاومة وليست استفزازًا
أكّد الكاتب والصحافي السياسي قاسم قصير أن إضاءة صخرة الروشة بصور قادة المقاومة ليست خطوة استفزازية إطلاقاً، بل هي تكريم لكل الشهداء الذين قدموا حياتهم دفاعاً عن لبنان في مواجهة العدو الإسرائيلي.
وقال قصير: “هذا جدل بلا فائدة. السيد حسن نصر الله والسيد هاشم صفي الدين قدّموا للبنان كل شيء، وقدّم السيد حسن نفسه شهيداً في مواجهة العدو، وليس في الزراعة. هذه خطوة فيها تحية للمقاومة التي قدّمت آلاف الشهداء”.
وأضاف حول موضوع الإذن القانوني: “لا يوجد لدي معلومات عن أي إذن رسمي من بلدية بيروت أو أي جهة قانونية لتنفيذ هذا الموضوع، لكن الأهم هو أن هذه الخطوة تحمل رسالة واضحة لتكريم قادة المقاومة واستشهاداتهم وكل الشهداء الذين دافعوا عن لبنان”.
وعن الانتقادات التي قد تُثار إذا لم تُوضع الصور على صخرة الروشة، قال قصير: “لو لم يتم وضع صورتهم على الصخرة، فهي موضوعة في السماء، والشهداء دائمًا حاضرون في وجداننا وتاريخنا”.
وأكد أن هذه الإضاءة تمثل “تحية لكل اللبنانيين، وليس لفئة أو جهة معينة”، مشدداً على أن بيروت مدينة رموز الشهداء، من ساحة الشهداء إلى كل شوارعها، وأن الهدف هو إبراز تضحياتهم التاريخية.


