فاجأ نائب الأمين العام لـ”حزب الله”، الشيخ نعيم قاسم، في خطابه المتلفز بتاريخ 20 أيلول،المتابعين بدعوته المملكة العربية السعودية إلى فتح “صفحة جديدة” مع الحزب، في تحول نادر في الخطاب السياسي للحزب تجاه الرياض. هذه الدعوة لم تأتِ بصيغة المصالحة أو التودد، بل جاءت ضمن شروط ثلاثة واضحة، تعكس مقاربة براغماتية أكثر من كونها تحولاً أيديولوجياً.
شروط الصفحة الجديدة: حوار بشروط المقاومة
طرح قاسم حوارًا مع السعودية بثلاثة مرتكزات أساسية:
أولًا، أن يكون الحوار معالجًا للإشكالات ومؤمِّنًا للمصالح المشتركة، في محاولة لإعادة ترتيب العلاقات على أسس نفعية واقعية.
ثانيًا، أن يقوم على اعتبار إسرائيل هي العدو، وليس المقاومة، ما يعني إعادة تعريف الصراع في المنطقة من منظور الحزب.
ثالثًا، أن يتضمن تجميدًا للخلافات الماضية مرحليًا من أجل التفرغ لمواجهة إسرائيل، في دعوة مبطنة إلى “هدنة سياسية” داخل المحور العربي.
المنعطف الخطير: قراءة الحزب للمشهد الإقليمي
حذر قاسم من أن “المنطقة بأسرها أمام منعطف خطير”، معتبرًا أن الهجوم الإسرائيلي على قطر شكّل لحظة مفصلية غيّرت الحسابات. ووضع أهداف إسرائيل في إطار توسعي يشمل معظم الدول العربية، بما فيها السعودية، في محاولة لإيجاد مساحة مشتركة للقلق والتهديد، تمهيدًا لتقريب وجهات النظر.
الخطاب يحمل بين طياته إعادة تسويق الحزب كقوة دفاع إقليمية لا كعامل زعزعة داخلي. وهو ما بدا جليًا في تأكيد قاسم أن سلاح “حزب الله” موجه فقط نحو إسرائيل، وليس نحو السعودية أو أي طرف عربي أو دولي، محاولًا طمأنة الرياض، أو على الأقل تجنيب الحزب المزيد من العزلة الخليجية.
لماذا السعودية الآن؟
التوجه نحو السعودية، التي طالما اعتبرها الحزب الخصم الإقليمي الأول، يطرح علامات استفهام عميقة. فهل هي ترجمة مباشرة للاستدارة الإيرانية بعد اتفاق بكين مع الرياض؟ أم أن الحزب بات يقرأ المشهد العربي عبر صعود الدور السعودي كمركز ثقل إقليمي؟
وهنا تبرز تساؤلات مشروعة: هل رأى الحزب الانعطاف الإيراني نحو السعودية ودول الخليج، والصفقة النووية التي أُنجزت مؤخرًا برعاية مصرية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، على اعتبار أن إيران باتت تفتش عن حماية عربية وإسلامية وتحاول إرسال الخطابات الهادئة وتصفير المشاكل في المنطقة؟
إذا صح هذا الافتراض، فإن خطاب الحزب يأتي في سياق إقليمي أكبر، تُعيد فيه طهران رسم أولوياتها، ويُعاد فيه تعريف أدوات القوة الناعمة والخشنة في المنطقة.
من الندّية إلى الحذر: قراءة سعودية مغايرة
رغم ما يبدو أنه تقارب أو انفتاح من طرف الحزب، إلا أن قراءة السعودية للملف مختلفة تمامًا. فالرياض، كما هو معروف، لا تتعامل مع الأحزاب والتنظيمات خارج إطار الدولة، سواء كانت مقاومة أم غير ذلك. سياستها ثابتة في حصر العلاقات بالدول الرسمية، ورفض منح الشرعية لتنظيمات خارجة عن سلطة الدولة، مهما كانت شعاراتها.
لذا، فإن خطاب الحزب، وإن بدا أنه يمدّ اليد، إلا أنه يرفع السقف في مخاطبة السعودية، متوجهًا إليها من موقع الندّ، لا من موقع الباحث عن تفاهم أو مظلة. وهو خطاب قد يُفهم على أنه محاولة لتحقيق حماية سياسية غير مباشرة، خاصة بعد الضربة الإسرائيلية لقادة من حركة “حماس” داخل قطر، والتي شكلت تحذيرًا صريحًا لكل من هو داخل “محور المقاومة”.
خلاصة: انعطافة تكتيكية لا استراتيجية
الخطاب الأخير لنعيم قاسم يمثل انعطافة فعلية في أسلوب الخطاب السياسي لـ”حزب الله” تجاه السعودية، لكنه لا يرتقي إلى مستوى التحول الجذري. هو أقرب إلى محاولة فتح نافذة حوار مشروط، في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، تتطلب من الحزب إعادة تموضع تكتيكي بدلًا من الاستمرار في العزلة.
لكن في المقابل، يبقى الموقف السعودي على حاله: لا حوار مع الأحزاب، بل مع الدول. والباب الذي طرقه الحزب، يبدو أنه لا يُفتح بخطابات، بل بتغييرات أعمق في البنية والمواقف والمرجعيات.


