السعودية ودورها الاستراتيجي في تثبيت حقوق الشعب الفلسطيني

زكريا الغول

منذ ما يزيد على سبعة عقود، ظلّت القضية الفلسطينية جوهر الصراع العربي–الإسرائيلي، ومحوراً رئيساً في معادلات الأمن الإقليمي والدولي. وبين الحروب العسكرية والمبادرات السياسية المتعاقبة، لم ينجح العرب في بلورة صيغة عملية قادرة على تثبيت الحقوق الفلسطينية ضمن إطارٍ يحظى بإجماع دولي واستمرارية واقعية. غير أنّ المملكة العربية السعودية تبرز اليوم، أكثر من أي وقت مضى، كفاعل استراتيجي يسعى إلى تحويل مسار القضية من دائرة الأزمات المزمنة إلى أفقٍ سياسي جديد، قوامه حلّ الدولتين باعتباره المدخل الأنجع لضمان حقوق الشعب الفلسطيني، ولإعادة الاستقرار إلى المنطقة.

إنّ هذه المقاربة السعودية لا تمثّل مجرد مبادرة دبلوماسية عابرة، بل تشكّل ـ من حيث الجوهر ـ أول محاولة عربية جادة وناجحة لإرساء مسار مستدام للقضية الفلسطينية، بعد سلسلة طويلة من الإخفاقات التي عرفتها المحاولات العربية السابقة.

منذ نكبة عام 1948، اتسمت السياسات العربية تجاه فلسطين بسمتين بارزتين: الطابع العاطفي وردّ الفعل العسكري. فقد انخرطت الجيوش العربية في حرب 1948 دون رؤية استراتيجية موحدة، فانتهت الحرب إلى خسارة كبرى وتكريس واقع الاحتلال. وتكرّر المشهد في حرب 1967 التي كانت نتيجتها مزيداً من الأراضي المحتلة، ثم في حرب 1973 التي، رغم إنجازاتها العسكرية الجزئية، لم تُفضِ إلى تحرير فلسطين.

في ميدان السياسة، تعدّدت المؤتمرات والاتفاقيات. جاء مؤتمر مدريد عام 1991 ليؤسس لمسار تفاوضي جديد، لكنه انزلق نحو مفاوضات ثنائية أضعفت الموقف الفلسطيني. ثم اتفاقية أوسلو عام 1993 التي أنشأت السلطة الوطنية الفلسطينية، لكنها لم تمنح الفلسطينيين الدولة المستقلة. أما اتفاقيتا وادي عربة وكامب ديفيد فتمحورتا حول علاقات ثنائية مع إسرائيل، بعيداً عن الإجماع العربي.

وسط هذا السياق، طرحت المملكة العربية السعودية “المبادرة العربية للسلام” عام 2002، وهي المبادرة الوحيدة التي قدّمت رؤية متكاملة تقوم على الانسحاب الكامل مقابل التطبيع الشامل. غير أنّ الرفض الإسرائيلي والانقسام الفلسطيني، إلى جانب ضعف الإرادة الدولية، حال دون تطبيقها. ومع ذلك، شكّلت هذه المبادرة نقطة تحوّل، إذ أكدت أنّ السعودية تنظر إلى فلسطين باعتبارها قضية مركزية في أمن المنطقة واستقرارها.

في السنوات الأخيرة، ومع تعقّد المشهد الإقليمي وتبدّل موازين القوى الدولية، عادت السعودية لتطرح نفسها لاعباً مركزياً في بلورة حلّ الدولتين. ويمكن تلمّس معالم هذه الاستراتيجية في عدّة محاور أساسية:

المؤتمر الدولي: دفعت الرياض نحو عقد مؤتمر دولي يكرّس مجدداً مرجعية الشرعية الدولية، ويرفض محاولات فرض أمر واقع عبر الاستيطان أو ضمّ الأراضي.

الدبلوماسية المتوازنة: تنطلق السعودية من موقعها كقوة إقليمية كبرى، تربطها شراكات متينة مع الولايات المتحدة وأوروبا، وفي الوقت نفسه تقود العالمين العربي والإسلامي، ما يمنحها قدرة فريدة على التأثير في موازين القوى الدبلوماسية.

دعم الاعترافات الدولية بفلسطين: شهد العالم في الآونة الأخيرة موجة متزايدة من الاعترافات بدولة فلسطين، ووراء هذا المسار تقف جهود سعودية متواصلة لدفع الحكومات والبرلمانات إلى تبنّي هذا الموقف.

إعادة صياغة أولويات الأمن الإقليمي: تدرك الرياض أنّ أيّ نظام أمني إقليمي مستقر يستحيل أن يقوم دون تسوية عادلة للقضية الفلسطينية، ما يفسّر إصرارها على أنّ حلّ الدولتين ليس خياراً فلسطينياً فحسب، بل ضرورة عربية وإقليمية.

إنّ ما يميّز المقاربة السعودية الراهنة عن المحاولات العربية السابقة يتجلّى في عدّة نقاط:

الرؤية الاستراتيجية: فالمملكة لا تتعامل مع فلسطين بوصفها أزمة منفصلة، بل كعنصر مركزي في إعادة بناء النظام الإقليمي.

الشرعية الدولية: بخلاف اتفاقيات ثنائية هشّة، تستند السعودية إلى قرارات مجلس الأمن والقانون الدولي، وهو ما يمنحها قوة سياسية وأخلاقية.

إنجازات ملموسة: للمرة الأولى منذ عقود، يتحقق تقدم واضح يتمثل في الاعترافات الدولية المتسارعة بالدولة الفلسطينية، وهو ما يعكس نجاح التحرك السعودي.

التوقيت العالمي المناسب: ففي ظل تصاعد الضغوط الشعبية والحقوقية في الغرب، واستعداد بعض القوى الكبرى لمراجعة سياساتها، تمكّنت السعودية من استثمار اللحظة التاريخية لإعادة طرح حلّ الدولتين بقوة.

نجاح الاستراتيجية السعودية في تثبيت حقوق الشعب الفلسطيني لا يقتصر على البعد الفلسطيني وحده، بل يتعدّاه إلى إعادة الاعتبار للدور العربي الجماعي. فالمملكة، بما تمثّله من ثقل سياسي واقتصادي وروحي، تبرهن أنّ العرب قادرون على قيادة مسار حقيقي نحو التسوية، بدل أن يظلّوا أسرى مبادرات دولية لا تلبي الحد الأدنى من الحقوق الفلسطينية

على المستوى الدولي، يضع هذا الدور السعودية في قلب أيّ تسوية مستقبلية للصراع، ويجعل منها شريكاً لا غنى عنه للقوى الكبرى، بما يرسّخ مكانتها كقوة استقرار إقليمي ودولي. أما فلسطينياً، فإنّ دعم السعودية لحلّ الدولتين يمنح الشعب الفلسطيني سنداً استراتيجياً طالما افتقده في العقود الماضية، ويعيد الأمل بإمكانية إقامة الدولة المستقلة على حدود الرابع من حزيران 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.

إنّ التحرك السعودي نحو حلّ الدولتين ليس حدثاً عابراً في سياق سياسي مضطرب، بل هو بداية مسار جديد يمكن أن يشكّل نقطة انعطاف في تاريخ الصراع العربي–الإسرائيلي. فبعد عقود من المحاولات العربية التي لم تثمر سوى مزيد من الإحباط، تضع السعودية ثقلها الدبلوماسي والسياسي والاقتصادي في خدمة تثبيت الحقوق الفلسطينية، وتفتح الباب أمام أول محاولة عربية ناجحة لبناء حلّ عادل وشامل. بهذا المعنى، يمكن القول إنّ الرياض، عبر استراتيجيتها الراهنة، لا تدافع عن فلسطين وحسب، بل تؤسس لرؤية أوسع من شأنها أن تعيد رسم معالم النظام الإقليمي على أسس أكثر توازناً وعدلاً. وإذا ما تواصل هذا المسار، فإنّ التاريخ قد يسجّل أنّ الدور السعودي شكّل المنعطف الذي أخرج القضية الفلسطينية من مأزقها التاريخي، وأعادها إلى موقعها الطبيعي كقضية تحرّر وحقوق مشروعة، لا كأزمة مستعصية على الحل.

شارك المقال