الفندق، في المفهوم المهني، هو نُزل صغير أو كبير، يقصده السائح أو رجل الأعمال أو التائه لقضاء بضع ليالٍ طمعًا في راحة أو بحثًا عن التغيير. ومذ وُجدت المدن الصناعية في منتصف القرن الماضي وما تبعها من عقود، رافقها ظهور الفنادق.
تبحّر اللبنانيون في علم الفنادق على مرحلتين: الأولى قبل “حرب داحس والغبراء الأخيرة”. وعذرًا لكلمة “أخيرة”، فقد وُضعت في غير موضعها، لأنها ما زالت مستمرة – بإذن الله – إلى أن يقضي الله أمرًا كان مفعولًا!
طفْتُ في فنادق هذه الدنيا، بعضها فخم وغالي الأسعار، وبعضها الآخر متوسط المستوى ورديء الخدمة. إلا أن هناك نوعًا مختلفًا من الفنادق، وهو ما يُعرف بالفنادق المؤمَّمة، أي المصادَرة من قِبَل الدول الاشتراكية في حينه. وهنا نعود إلى قرنٍ من القرون التي ما زالت تنطح بنا إلى يومنا هذا!
لي تجربتان مع فندقين “تنذكر وما تنعاد”، ذقتُ فيهما الأمرّين (على وزن فندقين)، وفكّرتُ في إحداهما بالهروب من الفندق-القلعة في عملية بوليسية خاطفة، أو بالانتحار رميًا من الشرفة!
الفندق الأول المؤمَّم كان في ليبيا، وهو “الفندق الكبير” (Grand Hotel). منظره من الخارج تحفة في فن العمارة والبناء. صعدتُ إلى الطابق الثالث، وما إن خرجتُ من المصعد حتى حيّاني رجل من وراء مكتب ضخم يسدّ الممر تقريبًا، عمله الوحيد مراقبة الخارج من المصعد والداخل إلى الغرفة. وأول ما يهمّ النزيل التجهيزات: برّاد فتحته مباشرة لأسدّ رمقي، فإذا به معبّأ بالهواء! وهذا يكفي للاستنشاق قبل أن تفقد وعيك! الحمد لله كان هناك تلفاز وهاتف. رفعتُ سماعة الهاتف فإذا بالخط مباشر غير متصل لا بالاستقبال ولا بـ”الروم سرفيس” (خدمة الغرف). خرجتُ مباشرة إلى الرجل الذي يحرس باب القلعة وسألته، مبتسمًا طبعًا، عن الطريقة التي أستطيع بها الوصول إلى عامل أو عاملة الخدمة، فردّ مباشرة ودون أن يبتسم، لأن الابتسامة في الدول الاشتراكية لا يُصرَّح بها إلا بعد مؤتمر عام للحزب الحاكم:
“دبّر نفسك بنفسك، نحن شركاء ولسنا أُجراء.” أهم أسس الكتاب الأخضر للعقيد الراحل معمر القذافي…
فهمتُ أني في مكان “التسيير الذاتي” أو “التنويم الذاتي”، وباقي القصة ليست طويلة لأني لجأت إلى التدبير الأول: الهروب من القلعة/الفندق.
التجربة الثانية كانت في فندق “المنصور – ميليا”، و”ميليا” هي الشركة الإسبانية التي تدير الفندق/المعتقل. كانت المرة الأولى التي أزور فيها عاصمة الرشيد. المنظر من الخارج ربطني مباشرة بـ”الفندق الكبير”، آية في الجمال المعماري. تدخل الفندق عبر ممر ساحة واسعة تتوهّم فيها أنك في الطريق إلى الجنة. داخل الفندق تبدأ المأساة: موظف الاستقبال هندي وإلى جانبه حسناء عراقية! تُعرّف عن نفسك: الاسم، المهنة، سبب الزيارة، وما إن تنتهي حتى يُؤمَر بك إلى غرفتك.
و”إلى غرفتك” هنا ذات معانٍ ودلالات. فصالون الفندق أشبه بقاعة مسافرين في مطار: ناس واقفون، ناس جالسون، ناس يسدّون عليك طريق الصعود. وفود لأن هناك مؤتمرًا!!
تصل إلى غرفتك: نظيفة، فيها كل مستلزمات السائح، إلا أمرًا بسيطًا – الهاتف. الجهاز موجود ويعمل لكن لا يردّ عليك أحد لأنك من “الأفراد” ولست من “الوفود”!
أسباب هذا السرد الطويل تعود إلى قصة صديقي القادم من بلاد الإنكليز، الذي رواها لي بعدما أخبرته بما قرأتم أعلاه. إذ ضحك وقال لي: “إنها نعمة أن ما تعرّضتَ له كان في الفنادق، أما أنا فاسمع قصتي مع المستشفى الحكومي في النبطية الذي يحمل اسم دولة رئيس مجلس النواب.”
وفُتح المحضر: بتاريخ 2 تموز، دخلتُ إلى مستشفى النبطية الحكومي لإجراء عملية جراحية (الفتق). والذي شجّعني على الذهاب إليه مشاهدتي على التلفاز زيارة وزير الصحة للمستشفى وتفقّده لها، وشهادته واندهاشه بما رأى من نظافة وترتيب ووسائل رفاهية. ويبدو أن هذا ما شاهده من الخارج والممرات، وأراهن أنه لم يدخل غرفة مريض أو حمّامًا، لأن وضعهما لا يليق بشيء، وخاصة بمؤسسة صحية. في الحمّامات لا توجد أغطية للمراحيض ولا مقاعد مناسبة، ما يعرّض المرضى لخطر الجراثيم. أما الغرف، فالأغطية غير نظيفة والخزائن بلا مفاتيح ولا علّاقات للثياب، ما اضطرّني لتعليق ثيابي على عمود المصل. طلبت بعض “التحاميل” من الثلج، إن وُجدت، لأنه لا مراوح ولا مكيّفات ولا حتى برّاد ماء في الطوابق، مما يجبر المريض على شراء الماء من الكافيتيريا، لزيادة دخل مشغّلها طبعًا!!
كنتُ في طريقي إلى غرفة المدير لهذا المستشفى، كوني تعلّمت في بلاد الإنكليز على الشكوى (complain)، فاصطدمتُ بأحد أبناء بلدتي يحمل مروحة أحضرها من منزله لإدخالها لشقيقه في العناية، والذي – للأسف – توفي في اليوم التالي!
إن هذه القصة واقعية وحقيقية ولا تمتّ إلى الخيال بصلة، ويمكن اعتبارها رسالة إلى وزير الصحة على أمل أن يعيد زيارته إلى المستشفى ذاته ليرى ما أتحدّث عنه. والتفت إليّ مجددًا قبل أن يغلق المحضر، وقال لي: “إنك محظوظ لأن ما حصل معك كان في الفنادق، والكل يعلم من كان يديرها في تلك الأيام، أما ما أخبرتك به فلم يكن في القرون الماضية، بل منذ أيام، في مستشفى في المواقع الأمامية في وجه العدو، ويديرها أناس يُفترض أنهم من البيئة ذاتها للمرضى، أي أهلهم وأقاربهم وأبناء قراهم.” وأنهى: “مش فلّونا، فتّونا وهم يخبروننا عن الإنجازات!”
ملاحظة: في حال اهتمّ وزير الصحة أو وصلته الرسالة، ولتأكيد ما ورد، يمكن إيجاد اسم المريض الحي والمتوفى لدى إدارة الموقع، قبل أن يكونوا هم السابقين ونحن اللاحقين.


