يبدو الشرق الأوسط كمن يسير فوق حافة بركان يتنفس جمره الأخير، كل خطوة قد تتحول إلى شرارة وكل شرارة إلى حرب تعصف بالخرائط وتعيد كتابة المصائر.
الحرب المؤجلة بين إيران وإسرائيل لم تعد احتمالاً بعيداً، بل صارت تقترب من لحظة الولادة القسرية، فيما العالم يتفرج على ساعة الرمل تنزف حباتها الأخيرة.
منذ مدة، والحديث عن غزة لم يكن سوى ستار دخاني. هناك من يرى أن “إنهاء الحرب” الذي لوّح به الرئيس الأميركي دونالد ترامب، هو مجرد “فصل انتقالي” في كتاب أكبر عنوانه: الإجهاز على إيران.
نتنياهو، الخارج من حرب فاشلة في القطاع، والمحاصر داخل مجتمعه بفضائح ومحاكمات، لا يجد ملاذاً سوى إشعال نار أكبر تمنحه فرصة النجاة أو تُسقطه في الهاوية، أما طهران المُطوّقة بـ”السناب باك” الأوروبي والعقوبات الأميركية، فقد وصلت إلى قناعة أن لا طريق سوى المواجهة. اقتصادها مختنق، مجتمعها يغلي، ومع ذلك ترفع شعار “حرب الوجود لا حرب الحدود”.
رئيس الأركان الإيراني يتحدث عن تأهب كامل، الحرس الثوري يعجّل بتعزيز منظوماته، البرلمان يعلن بلا مواربة أن لا تفاوض على الصواريخ ولا سقف لمدى اليد الإيرانية. الرسالة بسيطة وصاخبة: من يقترب يُضرب. أما إسرائيل فتتحدث صحفها عن مواجهة قد تكون الأخطر في عقود، لكنها تدرك أن الدعم الأميركي لم يعد شيكاً على بياض، وأن أي حرب قد تتحول إلى مستنقع استنزاف طويل، يستنزف تل أبيب قبل أن ينهك طهران.
في الخلفية تمسك واشنطن بكل الخيوط؛ تنقل الطائرات إلى قطر، تكدس الذخائر في تل أبيب، تضخ آلاف الأطنان من السلاح فيما المفاوضات قائمة. إنها دبلوماسية بوجهين: يد تصافح ويد أخرى تكدّس البنادق. الولايات المتحدة لا تبحث عن اتفاق بل عن انفجار مضبوط التوقيت، لكنها تخشى في الوقت نفسه، من أن يتحول الانفجار إلى هاوية تبتلع جنودها واقتصادها ونفوذها، وتمنح الصين وروسيا فرصة ذهبية لإعادة رسم ميزان القوى العالمي.
ولأن الصورة لم تعد ثنائية، فإن دعماً صامتاً يتدفق نحو طهران من موسكو وبكين وبيونغ يانغ، أسلحة بعضها مدفوع الثمن وبعضها يُقدّم كهدايا سياسية في لعبة شطرنج كونية. إيران لم تعد وحدها؛ هناك من يريد أن يحوّل أي حرب معها إلى مستنقع أميركي لا خروج منه، حرب تُنهك واشنطن اقتصادياً وتفتح المجال أمام خصومها الصاعدين.
في لحظة الحساب، لا تبدو إسرائيل إلا على صورة “المنفذ للأعمال القذرة”. الولايات المتحدة هي اللاعب الحقيقي، وإيران تعرف أن مواجهة مباشرة معها ستفتح أبواب الجحيم على المنطقة والعالم. لذلك يزداد السؤال إلحاحاً: هل نحن أمام مناورات سياسية أم على أعتاب حرب ستغيّر الشرق الأوسط إلى الأبد؟
المؤشرات كلها تقول إن لحظة الحرب أقرب من أي وقت مضى: استعدادات عسكرية متسارعة، تحركات أميركية غير مسبوقة، انسداد في المفاوضات، خصوم يتأهبون لمعركة بقاء.
الشرق الأوسط يضع يده على قلبه، ينتظر القذيفة الأولى. يعرف أن النار إذا اشتعلت فلن تعيد عقارب الساعة إلى الوراء، وأن ما سيولد من ألسنتها لن يكون شرقاً أوسط كما عرفناه، بل خريطة جديدة تُرسم بمداد الدم والرماد.


