في الساعات الأخيرة، تصاعد الجدل حول مياه “تنورين” المعبأة بعد الإعلان عن وجود احتمالية تلوث جرثومي في بعض العينات، ما دفع الجهات الرسمية لاتخاذ إجراءات احترازية لحماية الصحة العامة.
وزير الزراعة لـ”لبنان الكبير”: لا استهداف لشركة تنورين
أكّد وزير الزراعة نزار الهاني، الذي وقّع القرار بصفته وزير الصحة بالوكالة، في حديث لموقع “لبنان الكبير”، أنّ الخطوة التي اتُّخذت هي “إجراء تقني روتيني”، نابع من واجب الوزارة في حماية الصحة العامة، وليست بأي حال من الأحوال “استهدافًا لشركة لبنانية رائدة”.
وقال الهاني: “أي منتج لبناني، عندما تُثار حوله شكوك تتعلق بنوعيته أو سلامته، تُبلَّغ الشركة المعنية لتوقف الإنتاج مؤقتًا إلى حين استكمال الفحوصات اللازمة. هذا إجراء طبيعي تطبقه وزارة الصحة في كل الحالات، وعندما تُثبت النتائج أن الأمور سليمة، يُعاد العمل كالمعتاد”.
وأضاف: “ما حصل أن القرار أخذ حجمه أكثر مما يستحق إعلاميًا، فوزارة الصحة أخذت مجموعة أولى من العينات، ثم عادت وأخذت مجموعة ثانية، وتجري الفحوصات في مختبراتها، وعلى ضوء النتائج النهائية يُتخذ القرار المناسب، سواء بإجراء تصحيح من قبل الشركة أو باعتبار المياه مطابقة. النتائج غير نهائية بعد، ونحن بانتظار صدور التحاليل الكاملة”.
وأوضح الوزير أنّ القرار لم يتضمّن سحبًا للمنتجات من الأسواق، بل “تجميد الإنتاج لمدة خمسة عشر يومًا فقط، بانتظار استكمال عملية الفحوصات وضمان سلامة الغذاء”. وأكد: “نحن ملتزمون بالقانون الذي يفرض عند أي شك في منتج غذائي أو مائي، توقيف الإنتاج مؤقتًا ريثما تُستكمل التحاليل المخبرية”.
وردًّا على التساؤلات حول أسباب البلبلة التي رافقت القضية، قال: “الإجراءات الرقابية مستمرة منذ فترة في مختلف الوزارات، ووزارة الزراعة بدورها أوقفت قبل أسبوعين عددًا من المسالخ لإعادة تأهيلها وتنظيم عملها. هذه أمور روتينية وليست حالات استثنائية. نعمل يوميًا على تطبيق الرقابة، ونأمل أن تُنشأ قريبًا هيئة سلامة الغذاء التي أصبحت على نار حامية وسيُعيَّن مجلسها في القريب العاجل”.
بيان وزير الصحة: متابعة دقيقة ومسؤولية مشتركة
وفي تطوّر رسمي جديد، أصدر وزير الصحة العامة الدكتور ركان ناصر الدين بيانًا توضيحيًا أكد فيه أنّ القرار المتخذ بحق شركة “تنورين” صدر عن الوزير بالوكالة نزار الهاني بسبب غياب الوزير الأصيل، مشددًا على أن الوزارة “تتابع بمسؤولية مسار فحص عينات أخرى من مياه الشرب الموجودة في الأسواق باسم تنورين في المختبرات، وهي بانتظار النتائج ليُبنى على الشيء مقتضاه”.
وأوضح البيان أنّ “وزارة الصحة العامة باشرت أخذ عينات من عبوات مياه الشرب العائدة لغالبية الشركات في السوق اللبنانية لفحصها والتأكد من سلامتها وجودتها”، مؤكداً أنّ “الإجراء المتخذ بحق شركة تنورين يُلغى فورًا إذا اتخذت الشركة كل الإجراءات الضرورية لجودة المياه وسلامتها بما يضمن صحة المواطن”.
وختم الوزير بالتأكيد على “التزام الوزارة الثابت بحماية صحة اللبنانيين وصون سمعة الشركات الوطنية الملتزمة بالمعايير الصحية”.
معلومات أساسية عن الأزمة
تصاعدت قضية “ينابيع مياه تنورين” بعد قرار رسمي بتوقيف تعبئة منتجات الشركة وسحبها مؤقتًا من الأسواق، إثر نتائج فحوص أولية أظهرت وجود تلوث جرثومي في بعض العينات. القرار أثار جدلاً واسعًا بين المستهلكين والجهات المعنية، ووقّعه وزير الزراعة نزار الهاني بصفته وزير الصحة بالوكالة، وُصف بأنه «احترازي لحماية الصحة العامة» إلى حين صدور نتائج التحاليل النهائية.
وجاءت الخطوة بعد تقارير من مختبرات رسمية أشارت إلى أنّ بعض العينات من مياه “تنورين” لم تطابق معايير السلامة، وظهرت فيها بكتيريا من نوع Pseudomonas، وهي بكتيريا قد تدلّ على خلل في عملية التعقيم أو التعبئة.
إثر ذلك، أصدرت وزارة الزراعة القرار الإداري بصفتها الجهة الموقّعة رسميًا، وأمرت بوقف التعبئة وسحب المنتجات من السوق مؤقتًا، بانتظار نتائج فحوص إضافية للتأكد من دقة النتائج الأولية.
ردّ الشركة: “منتجاتنا مطابقة والمعايير واضحة”
في المقابل، ردّت شركة ينابيع مياه تنورين على القرار ببيان أكدت فيه “مطابقة منتجاتها الكاملة للمواصفات اللبنانية والدولية”، مشدّدة على “التزامها الثابت بالشفافية وثقة المستهلك اللبناني”.
الجانب الصحي والبعد العلمي
اختصاصيون في الصحة العامة أوضحوا أنّ وجود بكتيريا Pseudomonas لا يعني بالضرورة تسمّم المستهلكين، لكنها تُعتبر مؤشرًا على احتمال تلوث ناتج عن ضعف في إجراءات التعقيم أو التخزين.
ويُحذّر الأطباء من أنّ تأثير هذه البكتيريا قد يكون محدودًا لدى الأشخاص الأصحّاء، لكنه يشكّل خطرًا على الفئات الهشّة كالأطفال والمسنين وأصحاب المناعة الضعيفة، ما يبرّر التحرّك الوزاري السريع والإجراءات الوقائية.
القضية أعادت تسليط الضوء على التوازن الدقيق بين حماية الصحة العامة وحماية سمعة الشركات الوطنية في قطاع المياه المعبأة. فبينما تؤكد وزارة الزراعة أنّ الأولوية هي سلامة المواطنين، ترى الشركات أنّ القرارات السريعة قبل صدور نتائج نهائية قد تضرّ بقطاع حيوي يشغّل مئات العاملين ويعاني أساسًا من تراجع اقتصادي وارتفاع كلفة الإنتاج.
عراجي لـ”لبنان الكبير”: قانون سلامة الغذاء معطّل منذ سنوات
أعرب النائب السابق ورئيس لجنة الصحة النيابية السابق الدكتور عاصم عراجي، في حديث لموقع “لبنان الكبير”، عن استغرابه من حجم الجدل الدائر حول قضية مياه تنورين، مؤكداً أنّ “القضية لا تتعلق بشركة واحدة بقدر ما تكشف عن غياب الرقابة الفعلية على سلامة الغذاء في لبنان”.
وقال عراجي: “المعلومات كثيرة ومتناقضة. الشركة تصدر بيانات، ووزارة الصحة تردّ ببيانات أخرى، فيما تضيع الحقيقة بين التصريحات والبيانات. المطلوب اليوم أن تكون هناك جهة رقابية موحدة وواضحة تشرف على كل مراحل الإنتاج، من التعبئة إلى النقل والتخزين”.
وسأل عراجي مستنكراً: “هل يُعقل أن لا يكون سوى هذا المنتج غير صالح للرقابة الصحية؟ ألا يجب أن تشمل الفحوصات كل معامل المياه والمنتجات الغذائية في لبنان؟”
وأضاف أنّ “هذا الجدل يعيد التذكير بملف سلامة الغذاء الذي نوقش مطوّلاً في مجلس النواب خلال سنوات”، مشيرًا إلى أنّ لجنة الصحة النيابية برئاسته “درست القانون بالتعاون مع وزارات الصحة والزراعة والاقتصاد والطاقة، وتمت استشارة كل الجهات المختصة، إلى أن صدر القانون رسميًا”.


