مؤخراً، يجمع كثيرون على ضرورة إيجاد حلٍّ نهائي لقضية الموقوفين أو المعتقلين في السجون اللبنانية، ليس فقط الموقوفين السوريين، بل اللبنانيين والفلسطينيين أيضاً. هؤلاء الذين تمّ سجنهم أو إيداعهم السجون بتُهَمٍ تتعلق بالإرهاب أو مناصرة الثورة السورية ومعاداة نظام الأسد في سوريا، ومن ثم “حزب الله”، سواء على خلفية أحداث 7 أيار أو بسبب تدخله في سوريا إلى جانب النظام آنذاك.
وفي ظلّ المطالبات المستمرة من أهالي المعتقلين وحركاتهم المتكررة، تتوالى المآسي داخل السجون، حيث نشهد بين الحين والآخر حالات انتحار جديدة لأحد هؤلاء الشبان، كان آخرها اليوم، وقبل ساعات من موعد التحرّك الذي أعلن عنه الأهالي يوم الجمعة المقبل (بعد غدٍ الخميس).
مطلب واحد
بحسب مصادر مطّلعة لموقع “لبنان الكبير”، فإنّ التحرّك المنتظر يتميّز بتوجّه جديد، إذ “يتجاوز الطوائف والمناطق، مقدّماً للرأي العام اللبناني نموذجاً حضارياً بطابعٍ إنساني، يضمّ أطياف المجتمع اللبناني من مختلف المناطق والطوائف، متّحدين في يومٍ واحدٍ وشعارٍ واحدٍ، يمتدّ من الجنوب إلى البقاع بكلّ تنوّعه، مروراً بالصوت الجريء من دير الأحمر وصولاً إلى طرابلس والشمال”.
ووفق المصادر نفسها، “المطلب الأساسي هو العفو العام الشامل وطيّ صفحة الماضي بما فيها من ألمٍ وحزنٍ وظلم”.
وتؤكد في حديثها لـ”لبنان الكبير” أنّ “العفو العام الذي ننشده نأمل أن يستفيد منه كلّ من تأثر بالظروف القاسية التي مرّ بها البلد؛ فمَن تركه قسراً وهرباً من تبعات أحداثٍ ومخاوفَ كثيرةٍ عصفت بالبلاد، يعود إلى بلدته ومنزله، وكذلك من عانى وذاق التشرد والمطاردة من مختلف الطوائف والمناطق، تُطوى صفحة معاناته، وصولاً إلى حلٍّ يشمل جميع السجناء على اختلاف ملفاتهم وانتماءاتهم، فجميعهم سواسية في المعاناة التي يعيشونها يومياً، من اكتظاظٍ فاق حدود الوصف، وظروفٍ معيشيةٍ وإنسانيةٍ وصحيةٍ تفتقر إلى أدنى مقوّمات الحياة الطبيعية”.
رسالة الأطرش إلى الرئيس عون
في المقابل، يقول المتحدث بإسم سجناء لبنان الشيخ عمر الأطرش لـ”لبنان الكبير” إنّ “أشدّ ما يفتك بالسجناء هو رؤيتهم رفاقهم يتساقطون موتى، وهم لا يعلمون مَن سيكون التالي! فقدت الهرمل قبل أيامٍ ابناً في ريعان شبابه، فنعزّيهم بفقدهم، ونسأل الله لهم ولكلّ عائلةٍ استقبلت سجينها محمولاً على الأكتاف، الصبرَ والسلوان”.
ويشير إلى أنّ “رسالتنا اليوم هي أن يُنقِذ العفوُ العام من بقي على قيد المعاناة خلف جدران الأسى والظلم، وأن يُفتح بابٌ لمصالحةٍ شاملةٍ بين أبناء الوطن”.
ويتابع الأطرش حديثه قائلاً: “لن نغفل عن جرح المرفأ في خضمّ الحديث عن العفو العام، فجرح بيروت باقٍ، وهو مأساةٌ بحجم الوطن. ولا عفو يطوي صفحة الإهمال، إذ إنّ كشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين هما من أسس تحقيق العدالة وتعافي القضاء”.
ويضيف: “نعلن هذا الموقف لنطمئن أهالي الضحايا، وكلّ من فقد عزيزاً في الأحداث السابقة، بأنّ العدالة الانتقالية هي مسار تصحيحٍ للأخطاء، وليست غطاءً للإفلات من العقاب أو التهاون مع التقصير”.
ويقول أيضاً: “إنّ كثيراً من السجناء قضوا في السجون أكثر من المدة التي لو حُوكِموا عليها لكانوا قد أُطلِقوا منذ زمن، فبعضهم تجاوز الخمس عشرة سنة سجنية دون محاكمة، وأكثر من 80% من سجناء لبنان موقوفون منذ أكثر من عشر سنوات، والقضاء لا يسلك مجراه الطبيعي”.
ويتابع الأطرش: “حتى من انجرف إلى طريقٍ خاطئ، فقد نال عقوبته مضاعفة، واستمرار الوضع على هذا النحو جريمة إنسانية تشوّه صورة الدولة وتؤثّر في نظرة المجتمع الدولي إلى مؤسساتها. لذلك، لا بدّ من حلٍّ أشبه بالعلاج الموضعي لجرحٍ يتجدّد نزيفه في كلّ لحظة، لإغلاق ملفّ السجون اللبنانية نهائياً”.
وفي ختام حديثه، يوجّه الأطرش رسالةً إلى رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون قائلاً: “أتوجّه إلى فخامة الرئيس، وأحثّه على أن يتكلّل عهده بهذا القرار الجريء، مستحضراً أمام عينيه عهود الرؤساء فؤاد شهاب، شارل الحلو، إلياس سركيس، وكميل شمعون، ليُكمِل مسيرة الوطن على خُطاهم، وأن يفتح صفحةً بيضاء للجميع، يُتوَّج فيها كالأب الجامع لأبناء البلد كافة، ويمنح أبناءه فرصةً جديدةً. فهذا القرار سينعكس عدالةً واستقراراً على لبنان، ويمهّد لمصالحةٍ وطنيةٍ شاملةٍ تفتح الباب أمام عهدٍ يكون فيه فخامته عنواناً للاستقرار والازدهار في هذا الوطن”.


