رفيق الحريري: رجل الاستقلال والفكر الدبلوماسي والإنساني

محمد نديم الملاح

عشية عيد الاستقلال، يقف اللبنانيون أمام ذاكرة وطنية غنية بالتضحيات والتحديات، مستحضرين رجل الاستقلال الثاني، الرئيس الشهيد رفيق الحريري، الذي أعاد للبنان وجهه الجميل بعد سنوات الحرب الأهلية المدمرة، وأرسى أسس الدولة الحديثة القائمة على المؤسسات والاعتدال. لم يكن الحريري مجرد شخصية سياسية، بل كان رمزًا للوطنية والفكر الإنساني، رجل دولة تجاوز الطائفية والمذهبية، وعمل على بناء لبنان دولة المؤسسات والقانون، بعيدًا عن لغة الانقسام والصراعات المسلحة والمزاجية. كما كان لاعبًا فاعلًا عربيًا وعالميًا في جهود وقف الحروب وتعزيز السلام والاستقرار، ملتزمًا بحماية لبنان ووطنه العربي من الانهيار والصراعات.

لم تكن نهضة لبنان محصورة بالسياسة وحدها، بل ارتكزت بشكل كبير على آلاف اللبنانيين الذين حملوا سلاح العلم والمعرفة بدل السلاح التقليدي. هؤلاء، من كل الطوائف والمناطق، حصلوا على أعلى الشهادات في مختلف الاختصاصات، ليشكّلوا العمود الفقري للدولة الحديثة. لقد أثبتوا أن التغيير لا يقتصر على الاقتصاد أو الاستقرار الاجتماعي، بل يشمل إعادة بناء المستقبل وخلق أجيال قادرة على حماية وطنها، وتحقيق التنمية المستدامة، والتصدي للفوضى والانقسامات الطائفية والمصالح الشخصية.

إن هؤلاء اللبنانيين هم الضمانة الحقيقية لاستمرار الدولة، وهم الذين أظهروا أن لبنان يمكن أن يكون نموذجًا للنجاح إذا انطلق أبناؤه من الفكر الإنساني والمهنية والالتزام بالقيم الوطنية، وليس من المزاجية أو الولاءات للأطراف المسلحة أو الطائفية.

لم يكن النجاح اللبناني ممكنًا دون الدعم الثابت من الأشقاء العرب، الذين وقفوا إلى جانب لبنان في أصعب الأوقات. فقد لعب العرب، من الخليج إلى المغرب العربي، دورًا أساسيًا في حماية لبنان من الانهيار السياسي والاقتصادي، وساهموا في إعادة إعمار ما دمرته الحرب، واستقبال اللبنانيين للدراسة والعمل، بما يعكس عمق الروابط الأخوية والتاريخية بين لبنان والعالم العربي.

لقد تجسّد هذا الدعم العربي في عدة مستويات: سياسية ومالية واستثمارية، حيث لعب دورًا في تأمين الاستقرار، ومساندة الدولة اللبنانية في مواجهة تحديات الفساد والمصالح الضيقة. هذا التضامن العربي لم يكن مجرد دعم، بل كان تعبيرًا عن اعتراف بمكانة لبنان كدولة عربية حقيقية، وبأهمية دوره في الحفاظ على الهوية الوطنية والعربية في آن واحد.

المملكة العربية السعودية: العمود الفقري للدعم اللبناني

تتصدر المملكة العربية السعودية قائمة الدول الداعمة للبنان، قيادةً وشعبًا، فقد لعبت دورًا محوريًا في كل مرحلة من مراحل البناء الوطني بعد الحرب.

كان الملك فهد بن عبد العزيز، رحمه الله، الراعي الأساسي لاتفاق الطائف الذي أنهى الحرب الأهلية وأرسى قواعد الدولة الحديثة.

تلاه الملك عبد الله بن عبد العزيز، الذي دعم لبنان في أصعب المراحل وضمان استمرار دوره العربي.

فيما حافظ الملك سلمان بن عبد العزيز على هذا النهج بحكمة وثبات، مؤكدًا مكانة لبنان في قلب المملكة، وأهمية استقرار الدولة اللبنانية.

واليوم، يواصل ولي العهد الأمير محمد بن سلمان هذا الدعم من خلال رؤية عربية شاملة تقوم على تعزيز الاستقرار والتنمية وحماية الأشقاء العرب، مع التأكيد على أن لبنان بلد عزيز يجب أن يعود إلى دوره الطبيعي كدولة عربية مستقرة، بعيدًا عن التدخلات والصراعات الداخلية والخارجية.

لقد أثبتت المملكة العربية السعودية عبر هذه الجهود المتواصلة أن دعم لبنان ليس مجرد سياسة وقتية، بل جزء من رؤية استراتيجية لتعزيز الاستقرار العربي المشترك، ومواجهة أي مشاريع تهدد وحدة الشعوب العربية.

لم يكن رفيق الحريري مجرد زعيم سني، بل كان امتدادًا وطنيًا وعربيًا وفكرًا إنسانيًا عابرًا للطوائف والمذاهب، ورجل دولة في زمن اختلطت فيه لغة السلطة بلغة الإلغاء والطائفية والمزاجية والمصالح الشخصية. حمل الحريري رسالة واضحة: لبنان وطن لكل أبنائه، دولة القانون والمؤسسات، دولة الشراكة الوطنية، وجسر عبور للأمل والاعتدال في زمن الانقسامات.

كما لعب دورًا مهمًا عربيًا وعالميًا في جهود وقف الحروب وتعزيز السلم والاستقرار، مؤكدًا أن لبنان يجب أن يكون جسرًا للسلام في المنطقة العربية، وأن دوره الإقليمي والعالمي لا يقتصر على الداخل، بل يتصل بكل الجهود الداعية لحقن الدماء ومواجهة الانقسامات المسلحة والسياسية.

لقد تجسّدت رؤيته في مشاريع الإعمار والتنمية، وفي بناء الدولة عبر مؤسساتها، وفي إشراك جميع اللبنانيين في الحياة العامة بعيدًا عن المحسوبيات والطائفية والمزاجيات السياسية. كانت رؤيته للبنان وطنًا يعيش فيه المواطن بحرية وكرامة، بلا خوف، وبلا هيمنة المجموعات المسلحة أو الانقسامات السياسية والطائفية، وفق منهج الفكر الإنساني والعدالة والمساواة.

كان الحريري يدرك أن الاستقرار السياسي وحده لا يكفي، بل لا بد من التنمية الاقتصادية والاجتماعية لتأمين مستقبل للأجيال القادمة. من هنا جاء التركيز على مشاريع البنى التحتية، وفتح آفاق الاستثمار، وخلق فرص العمل، وتطوير قطاعات التعليم والصحة والطاقة، لتكون الدولة قادرة على حماية مواطنيها، ولتكون التنمية شاملة وعادلة لكل اللبنانيين.

لقد أراد الحريري لبنانًا يتمكن فيه الإنسان من العيش بكرامة، ويستطيع فيه كل مواطن ممارسة حقوقه بحرية، بعيدًا عن أي تأثير لجماعات مسلحة أو استغلال سياسي للطائفية أو المزاجية الشخصية. وكان يصر على أن المشاريع الكبرى، مثل إعادة إعمار بيروت والمنطقة الاقتصادية والمرافق العامة، لا يجب أن تكون مجرد أدوات سياسية، بل أدوات لتحقيق التنمية المستدامة والخدمة العامة وفق منهجية علمية وإنسانية.

لم يكن النهج التنموي للحريري ممكنًا دون استثمار الطاقات اللبنانية. فقد شكّل آلاف اللبنانيين من حملة الشهادات العليا في مختلف الاختصاصات قوة دافعة وراء التنمية. هؤلاء الشباب والشابات المتعلمون والمثقفون كانوا، ولا يزالون، شركاء أساسيين في بناء الدولة، وهم الذين يثبتون يوميًا أن لبنان يمكن أن يكون بلدًا ناجحًا إذا تم استثمار موارده البشرية وفق منطق الفكر الإنساني والعلمي، بعيدًا عن المزاجيات والولاءات للأطراف المسلحة والطائفية.

وللحفاظ على إرث رفيق الحريري، لعبت العائلة دورًا محوريًا في صون هذا الإرث. فالأخت والأبناء يواصلون حمل رسالته الوطنية والإنسانية، ملتزمين بتعزيز قيم العدالة والمساواة، وحماية الدولة اللبنانية، والعمل على تحقيق رؤيته للبنان المستقر والمتقدم، ما يجعل إرثه حيًا في القلوب والأفعال اليومية.

اليوم، ونحن نحتفل بعيد الاستقلال، نتذكر رسالة الحريري ونسعى للحفاظ على إرثه: لبنان دولة القانون، دولة المؤسسات الشرعية، دولة الاعتدال والشراكة الوطنية، وفكرها إنساني قبل أي اعتبارات أخرى، وجسر للسلام العربي والعالمي. وبمشاركة الأسرة اللبنانية وعائلته، نستمر في نقل هذه الرسالة إلى الأجيال القادمة، ليظل لبنان وطنًا حيويًا قادرًا على مواجهة الأزمات.

فلبنان يستحق الحياة… ويستحق منا الوفاء والعمل والبناء المستمر وفق الفكر الإنساني والعدالة، وضمن دور فاعل في نشر السلام والاستقرار عربيًا وعالميًا.

شارك المقال