دمّر العدو في حربه الأخيرة جزءًا لا بأس به من سوق النبطية، ومع عودة الأهالي إلى المنطقة من دون أي تعويض يُذكر، وبينما بادر بعض أصحاب المحال إلى ترميم متاجرهم على نفقتهم الخاصة في ظل غياب أي دعم، ارتفعت صرخات الاعتراض، إذ لم تقتصر الخسائر على الجانب التراثي، بل طالت أيضًا الواقع الاقتصادي. فقد شكا المواطنون من الارتفاع الكبير في بدلات الإيجار ومن تراجع الحركة التجارية، إمّا بسبب غلاء البضائع، أو نتيجة الخوف من التوجّه إلى المنطقة في ظلّ التوترات الأمنية المستمرة.
“رجعوا الناس من الخنادق حاملين وجع الحرب، لاقوا حرب تانية اسمها الجشع والطمع.” “الأسواق صارت تشتكي، والناس صارت تخاف تفوت عالسوق من الأسعار، مش من الحرب. الأجار صار أغلى من الرزق، والتاجر بدل ما يوقف حدّ المواطن صار عم يوقف عليه. وين الضمير؟ وين الإحساس؟”
هكذا عبّر غالبية أهل النبطية عن حال السوق. ووفقًا لهم، فإن السوق كان الأقوى جنوبًا، إلا أنّه اليوم أصبح على شفير الهاوية، نظرًا لغلاء البضاعة الذي وصفوه بـ”الفاجر”، وأيضًا لغلاء الإيجارات.
أما صاحبة أحد المحلات التي اضطرت إلى إغلاقه فقالت: “أنا من الناس التي فتحت محلًا تجاريًا في النبطية وأغلقته بسبب الإيجار غير الطبيعي”، لافتة إلى أنّ: “النبطية باتت كمدينة الأشباح، جميع الأسواق في الجنوب ممتلئة، لكن الطمع والجشع في النبطية أثّر على حالتها الاقتصادية.”
في ظلّ الدمار الذي لحق بسوق النبطية القديم وتعطّل خطط إعادة بنائه، ظهر السوق البديل كمحاولة إسعاف أولي للتجار الذين خسروا محالّهم ومصدر رزقهم. هذا السوق، الذي شُيّد بمبادرات محلية وعلى نفقة الجمعيات والهيئات الأهلية، لن يكون حلًا جذريًا بقدر ما سيصبح “مورفينًا” يخفّف ألم الإيجارات من دون أن يعالج الجرح العميق.
في السياق، يقول عضو جمعية تجار النبطية محمد دهب عبر “لبنان الكبير”: غلاء الإيجارات وحلول مطلوبة لا شعارا “تُعدّ مشكلة ارتفاع الإيجارات في وسط السوق التجاري واحدة من أبرز التحديات التي يواجهها التجار والمستأجرون اليوم. ورغم محاولاتنا في الجمعية التنظيمية لتجار النبطية والجوار الدفع نحو معالجات واقعية، يتبيّن بوضوح أن الإيجارات تخضع لقوانين السوق والعرض والطلب، وأن القانون لا يُلزم مالكَ العقار بتسعيرة محددة طالما أن المحل خاضع للاستثمار الحرّ.
ومع ذلك، لم نقف مكتوفي الأيدي.” مؤكّدًا أنّ: “الجمعية عملت في مراحل سابقة على فتح قنوات تواصل رسمية مع المحافظة والبلدية والجهات المعنية، وطرحنا مبادرات هدفها الحدّ من الاحتكار وتشجيع أصحاب العقارات على مراعاة الظروف الاقتصادية، خصوصًا بعد الحرب التي لحقت بالسوق وتسببت بخسائر كبيرة للتجار. كما نعمل حاليًا على دراسة مشروع إطار أخلاقي–تنظيمي يُسهم في خلق توازن بين حقّ المالك وحقوق المستأجر، ويحفظ ديمومة الاستثمار داخل المدينة.”
النبطية: سوقٌ يمرض ولا يموت
يشير دهب إلى أنّ: “مدينة النبطية ليست مجرد مركز تجاري، بل هي قلب الجنوب النابض. موقعها الجغرافي الفريد الذي يربط القرى بالمدن والساحل من صيدا وبيروت إلى حاصبيا والعرقوب، يجعلها مقصدًا دائمًا للتسوّق والخدمات. كما أنّها مركز محافظة يضمّ الدوائر الرسمية والمؤسسات التربوية والمالية والمراكز الصحية، مما يجعلها محطة يومية لوافدين من مختلف المناطق.” موضحًا أن: “الحركة التجارية في النبطية تبقى نشطة رغم كل الظروف، لكنها تتأثر مباشرة بعوامل عدّة، أبرزها: المواسم (مدرسية، أعياد، رمضان، سياحة داخلية)، الوضع الأمني والاعتداءات اليومية من قبل العدو، السياسات المالية وقدرة الناس الشرائية، ورغم الضغوط، أثبت السوق أنه “يُمكن أن يمرض لكنه لا يموت”، والدليل أن معظم التجار الذين دُمّرت محالهم في العدوان الأخير أعادوا البناء والاستثمار من جيوبهم الخاصة ومن دون انتظار تعويضات الدولة التي لم تُصرف حتى اليوم.
نحن أمام واقع يحتاج إلى متابعة يومية لا إلى بيانات موسمية. سوق النبطية ليس في حاجة إلى دعم كلامي، بل إلى: خطة تنظيم مرورية تخدم السوق وزواره، تحسين البنية التحتية والإنارة والريغارات والنظافة، تفعيل الرقابة على الفوضى والاستعمال العشوائي للأرصفة، إحياء الحركة الثقافية والسياحية داخل السوق، تنشيط التجار عبر مهرجانات ومعارض موسمية تحفّز الشراء، وقد أثبتت التجارب أن النبطية حين تُنشّط اقتصاديًا وثقافيًا معًا، يستفيد كل السوق، لا تاجر واحد ولا حيّ واحد.”
السوق البديل: نموذج للتكامل لا المنافسة
يلفت دهب إلى أنّ: “في إطار إعادة النبض إلى المدينة، يُفتتح السوق البديل في نهاية الشهر الجاري ليستقبل المحال التي تضررت أو التي لا تزال في طور إعادة البناء.” ويؤكّد أنّ: “هذا المشروع ليس سوقًا منافسًا، بل حاضنة اقتصادية مرحلية تحمي التجار، وتمنع النزوح التجاري، وتُعيد الثقة للمستهلك بأن السوق مستمر رغم الدمار والحرب.”
ووفقًا له فإن: “النبطية لم تنتظر الدولة كي تعود إلى الحياة. أهلها وتجارها هم الذين أعادوا بناء ما تهدّم، وهم الذين حوّلوا الألم إلى فرصة. ومهمّتنا اليوم في الجمعية ليست فقط أن نمثّل التجار، بل أن ندافع عن استمرارية السوق وهويته التراثية والتجارية، وأن نعمل على حلول تحمي مصالح المستأجرين والمالكين في آنٍ معًا.
فالأسواق تُبنى بالحجارة والمال… لكنها لا تزدهر إلا بإرادة أهلها.”
بدوره، يقول عضو لقاء الأندية والجمعيات المدنية، الإعلامي علي عميص إن: “الأسباب الأساسية لمعاناة التجار اليومية في النبطية وضواحيها ترتبط أولًا بانعدام الأمان. فالغارات التي تحصل بشكل متكرر في محيط النبطية تنعكس سلبًا على الواقع الشرائي وحركة المواطنين، إذ نشهد بعد كل غارة مشاهد تُشبه حظر التجوّل، حيث تخلو الشوارع وتتوقّف الحركة التجارية كليًا.”
ويُضيف عميص أن: “جميع التجار لم يحصلوا على أي بدل أضرار للبضائع التي تلفت جرّاء الحرب، والتي تُقدّر خسائرها بالملايين، معتبرًا أنّ هذه الخسارة هي الأكبر بعد خسارة الأبنية نفسها.” ويشير إلى أنّ التاجر اليوم لا يستطيع إعادة تعبئة مخزونه بسبب الخسائر السابقة وخوفه من إمكان تجدد الحرب في أي لحظة.
ويوضح أن: “ضعف القدرة الشرائية لدى المواطنين يمثّل سببًا إضافيًا لتراجع الحركة التجارية، خصوصًا مع بداية العام الدراسي وارتفاع الأقساط المدرسية إلى مستويات غير مسبوقة في تاريخ لبنان.”
كما يلفت إلى أن: “عدم البدء بإعادة بناء السوق التجاري وترميمه يزيد من حدّة الأزمة، موضحًا أنّ كل المبادرات القائمة حتى الآن تُنفّذ بشكل فردي وعلى نفقة المواطنين الخاصة. ويشير في هذا السياق إلى مبادرة النادي الحسيني في النبطية التي تقضي ببناء عدد من المحلات التجارية الجاهزة في ساحة البيدر، بهدف وضعها بتصرّف التجار الذين تهدّمت محالهم، بشكل مجاني في المرحلة الأولى.”
مؤكّدًا أن: “كل هذه الأسباب مجتمعة فاقمت الأزمة ومعاناة التجار في النبطية والجوار، والمفارقة أنّ الدولة غائبة تمامًا عن المشهد: فلا رقابة، ولا إعادة إعمار، ولا تعويضات… فقط المزيد من الوعود.”
صحيح أنّ مبادرة النادي الحسيني وأصحاب الأيادي البيضاء تُسهم في تخفيف جزء من العبء عن التجار والمواطنين، وقد تعيد شيئًا من الحركة إلى السوق في المدى القريب، إلا أنّها تبقى حلولًا موضعية لا تُلامس جوهر الأزمة. فالمشكلة أعمق من تأمين محال بديلة أو تخفيض كلفة الإيجار مؤقتًا؛ إذ إن السوق نفسه يحتاج إلى رؤية واضحة تضمن استمراريته، وإلى خطة ترميم عادلة تعيد إليه دورة الحياة الاقتصادية. وفي غياب دور فعلي للدولة، تصبح المبادرات الفردية مجرّد محاولات لشراء الوقت، فيما تبقى المعضلة الأساسية متمثّلة بقدرة الناس على الشراء وبجرأة التجار على الاستمرار في بيئة غير مستقرة اقتصاديًا وأمنيًا.


