يشكّل اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وقبرص محطة مفصلية في مسار إعادة تثبيت حضور الدولة وقدرتها على اتخاذ قرارات سيادية كبرى، في مرحلة تتشابك فيها التحديات بين الانهيار الداخلي وتغيرات شرق المتوسط. فالخطوة التي شهدها قصر بعبدا بين الرئيس جوزاف عون ونظيره القبرصي نيكوس خريستودوليدس لم تكن مجرّد توقيع تقني، بل إعلانًا واضحًا عن عودة الدولة إلى موقع المبادِر، وعن ممارسة عملية للسيادة وفق نهج “قوة المنطق” الذي ميّز أداء الرئيس عون.
هذا الاتفاق الذي طال انتظاره منذ الإطار الأولي عام 2007، استعاد زخمه بفضل مقاربة لبنانية هادئة وعقلانية في إدارة الملفات الحدودية، بدءًا من الترسيم الجنوبي عام 2022 الذي فتح الباب أمام إقفال المنطقة الرمادية غربًا. ومع إتمام الترسيم مع قبرص، يخرج لبنان من دائرة الغموض البحري، وينتقل نحو مرحلة جديدة يستعيد فيها ثقته بنفسه، وتعود فيها الدولة لتكون المرجع الوحيد في إدارة الحدود والثروات.
أهمية الاتفاق تنطلق من كونه تثبيتًا للحقوق البحرية اللبنانية وإطارًا قانونيًا واضحًا يمنع الالتباسات التي عطّلت لسنوات عمليات الاستكشاف والتنقيب. فالشركات الدولية التي كانت تتردّد في العمل ضمن البلوكات المتاخمة للحدود القبرصية، باتت اليوم أمام خريطة ثابتة وواضحة، ما يعيد لبنان إلى دائرة الاهتمام الفعلي في قطاع الطاقة ويعزّز احتمالات استئناف الاستكشافات في مرحلة حساسة من مسار الإنقاذ الاقتصادي.
ولا تقلّ الفائدة عن الجانب القبرصي، فنيقوسيا التي تُقدّر احتياطاتها الغازية بمليارات الأمتار المكعبة تستعد لرئاسة الاتحاد الأوروبي مطلع عام 2026، ما يفتح أمام لبنان نافذة استراتيجية استثنائية. فالرئيس القبرصي أبدى استعدادًا واضحًا لقيادة مفاوضات تسهّل توقيع اتفاقية شراكة بين لبنان والاتحاد الأوروبي خلال فترة رئاسته، وهي اتفاقية يمكن أن ترفد لبنان بما يقارب مليار يورو من الهبات والمساعدات والقروض الميسّرة. وهكذا يتحوّل الترسيم إلى أكثر من حدود بحرية: يصبح مدخلًا لعلاقة مؤسساتية جديدة بين بيروت وبروكسل، ولاندماج تدريجي داخل منظومة المتوسط–أوروبا.
ويزداد المشهد قوة حين يوضع في سياق مشروع الربط الكهربائي بين لبنان وقبرص، وهو مشروع بدأ الاعداد له من خلال طلب رسمي للبنك الدولي لدراسة الجدوى. هذا الربط، إذا نُفّذ، قد يشكّل تحولًا جذريًا في قطاع الكهرباء اللبناني، ويفتح بابًا واسعًا للتكامل الطاقوي مع أوروبا عبر قبرص، الدولة الأوروبية الأقرب جغرافيًا إلى الساحل اللبناني.
إقليميًا، يؤكد اتفاق الترسيم رؤية سياسية واضحة تعتبر أن تثبيت الحدود شرط أولي للاستقرار. فلبنان الذي أنهى نزاع الجنوب، يستكمل اليوم مسارًا سياديًا يمتد غربًا، ويضع نفسه في موقع أقوى تجاه الملفات المتبقية، ولا سيما الترسيم مع سوريا. أما أمنيًا، فيؤدي إنهاء المنطقة الرمادية إلى تقليل فرص النزاع وتعزيز القدرة على حماية الحدود البحرية وضبطها، بما يتوافق مع رؤية الرئيس عون القائمة على منع الفوضى وتعزيز الاستقرار.
وفي جانب شديد الأهمية، شدّد الرئيس جوزاف عون خلال الاحتفال بالتوقيع على أن “ترسيم الحدود مع قبرص ليس موجّهًا ضد أحد”، في رسالة سياسية واضحة مفادها أن لبنان يعتمد نهج الانفتاح والتعاون واحترام القانون الدولي، وأن الاتفاق يأتي لتعزيز الاستقرار وليس لخلق محاور أو خصومات. فهذا الخطاب يتماشى مع رؤية الرئيس التي ترفض النزاعات العبثية، وتعتبر أن دور الدولة هو حماية المصالح الوطنية عبر الدبلوماسية الفعّالة، لا عبر التصعيد أو الاستقطاب.
ومع كل المكاسب، يبقى التحدي الأكبر في القدرة على تحويل الاتفاق إلى إنجاز ملموس عبر إصلاحات داخلية جدية: صندوق سيادي شفاف، جهاز رقابي متخصّص، تحديث التشريعات، وبناء مؤسسات قادرة على إدارة الثروة البحرية بعيدًا عن الفساد والمحاصصة. فالترسيم يفتح الباب، لكنه لا يضمن النجاح؛ النجاح يأتي من الإدارة الرشيدة للفرص.
ولا يمكن تجاوز البعد البيئي، فالشرق المتوسطي حوض هشّ، وأي نشاط استكشافي غير مضبوط قد يؤذي الشواطئ اللبنانية والقبرصية. ومن هنا، يشكّل الاتفاق فرصة لتعاون ثنائي في مراقبة المخاطر البحرية والتعامل مع أي حادث محتمل على أساس بروتوكولات مشتركة.
في الجوهر، يمثّل ترسيم الحدود بين لبنان وقبرص خطوة سيادية تُعيد الاعتبار إلى الدولة ومؤسساتها، وتضع لبنان على مسار جديد من الوضوح والاستقرار والانفتاح. إنه تجسيد لرؤية الرئيس جوزاف عون: دولة تتقدّم بالمنطق والقانون، تثبّت حقوقها بلا استفزاز، وتبني مستقبلها بلا ضجيج. ومع أن الطريق لا يزال طويلًا، فإن ما رُسِم اليوم على الخرائط قد يكون الأساس لمرحلة مختلفة، تعود فيها الدولة إلى دورها الطبيعي… ويعود معها لبنان.


