لبنان بين مطرقة “المطالب الخارجية” وسندان “المكابرة الداخلية”!

ياسين شبلي

وسط كل المشاكل والأخطار التي يتعرّض لها لبنان من الخارج، سواء العدوان والاحتلال الصهيوني لأرضه وأجوائه، أو الضغوط السياسية والاقتصادية التي يتعرّض لها من قبل الإدارة الأميركية وغيرها من دول العالم لتفكيك الدويلة داخل الدولة، يواصل اللبنانيون سجالاتهم العبثية في محاولة من كل طرف أن “يستثمر” في الظروف الإقليمية والداخلية؛ البعض للحفاظ على مواقعه وتثبيتها، خاصة في بيئته، والبعض الآخر لتعزيز مواقعه واستعادتها عبر شيطنة الآخر، خاصة مع قرب موعد الانتخابات النيابية، حيث يرتفع منسوب التوتر والتشنّج، وذلك من دون النظر – من الجانبين للأسف – إلى المصلحة اللبنانية الجامعة التي تتطلّب الالتقاء في الوسط الذي لطالما كان هو الحل للمشاكل في لبنان.

هذه السجالات وتداعياتها على الوضع اللبناني خارجياً، ومن بابٍ أولى داخلياً، هي ما دفعت رئيس الجمهورية جوزيف عون مؤخراً للدخول على الخط في مناسبتين: الأولى أمام وفد صحافي عندما تحدّث عن بعض “المحرّضين” في الخارج، خاصة في أميركا، على الدولة وعلى أفرقاء آخرين في لبنان، وهي عادة “لبنانية” قديمة – للأسف – منذ ما قبل قيام دولة “لبنان الكبير” وما بعدها، وهو ما يثبت أن اللبنانيين ليسوا بوارد التعلّم من التاريخ القريب والبعيد.

المرة الثانية التي دخل فيها الرئيس على الخط واضعاً النقاط على الحروف هي خطاب “عيد الاستقلال”، وهو خطاب واقعي وعقلاني، صريح وواضح، يعكس شعوره بخطورة المرحلة والمسؤولية الملقاة على عاتقه كرئيس مسؤول عن مستقبل البلد والناس، وليس سياسياً شعبوياً يستسهل الكلام بحثاً عن أصوات تصبّ في صناديق الاقتراع في زمن الانتخابات، من دون أي تقدير لعواقب كل كلمة وموقف؛ وذلك حين قال:

“في لبنان اليوم، لدى بعض المرتابين من تطوّرات المنطقة، انطباعٌ وكأن شيئاً لم يتغيّر، لا عندنا ولا حولنا ولا في فلسطين ولا في سوريا ولا في العالم. هي مكابرة أو حالة إنكار ليُقنع هذا البعض نفسه بأنه يمكنه الاستمرار بما كان قائماً من تشوّهات في مفهوم الدولة وسيادتها على أرضها، منذ 40 عاماً. وأنا أقول لكم: إن هذا السلوك مجافٍ للواقع، وللإرادة اللبنانية أولاً، قبل مناقضته للظروف الإقليمية والدولية. وفي المقابل قد يكون هناك انطباع مناقض لدى بعضٍ آخر من اللبنانيين، بأن الزلزال الذي حصل قضى على جماعة كاملة في لبنان، وكأن طائفة لبنانية برمّتها قد زالت أو اختفت، أو كأنها لم تعد موجودة في حسابات الوطن والميثاق والدولة. إنني أقول لكم: هذه مكابرة أخرى، وحالة إنكار مقابلة، لا تقلّ عن الأولى خطأً وخطراً. فيما نحن كدولة، وأنا شخصياً كرئيس لهذه الدولة، نقف حيث تقتضي مصلحة الوطن وكل الشعب، لا مصلحة جهة أو حزب أو طائفة”. انتهى كلام الرئيس.

الواقع أن هذا السلوك السياسي المتمثّل بمحاولة “الاستثمار” في هزيمة الآخر لتحقيق مكاسب حزبية وسياسية هو أحد أهم أسباب ما نحن عليه اليوم. وكانت البداية بعد هزيمة العرب في عام 1967 أمام إسرائيل، حين حاول اليمين اللبناني الاستثمار فيها واعتبرها هزيمة للجناح الآخر في لبنان من الحركات اليسارية والقومية، فظن أنه بإمكانه تأخير إصلاح النظام السياسي والاجتماعي الذي كانت تطالب به هذه الحركات في الشق الداخلي من الخلاف مع اليمين. وكانت النتيجة انفجار التظاهرات ضد السلطة، مترافقة مع دخول العامل الفلسطيني وسلاحه على الساحة، ما أدى بالتالي إلى “اتفاقية القاهرة” التي أدت لاحقاً إلى الحرب الأهلية اللبنانية.

مرة أخرى حاول اليمين نفسه الاستثمار بالاجتياح الصهيوني لبيروت عبر اعتباره هزيمة للمسلمين في لبنان، فتم التعامل معهم من قبل سلطة الرئيس أمين الجميل على هذا الأساس، فكانت النتيجة مئات المخطوفين من بيروت الغربية وحروب متتالية في الجبل والضاحية وبيروت، ما أوصل الأمور إلى “انتفاضة 6 شباط” وما تلاها.

المرة الثالثة كانت بعد معركة 13 تشرين الأول عام 1990، التي كانت بسبب رفض العماد ميشال عون “اتفاق الطائف” وتمرده على السلطة المنبثقة عنه، وهو الاتفاق الذي أتى بعد حربين افتعلهما الجنرال، وهما حرب التحرير وحرب الإلغاء، ما تسبب بإضعاف المكوّن المسيحي في البلد، ما أعطى الفرصة للوصاية السورية وأتباعها للتعامل مع المسيحيين كفريق مهزوم. وكانت النتيجة أن عاد وانفجر البلد بعد جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، حين أحسّ غالبية اللبنانيين بالهزيمة، فكانت انتفاضة 14 آذار التي ما لبثت أن أُجهضت بتسويات سياسية استعملتها قوى 8 آذار كستار لنسج تحالفات جديدة مكنتها من فرض وصاية جديدة على البلد، تكرست مع أحداث 7 أيار 2008 حين تعامل تحالف الثنائي الشيعي والتيار العوني مع المكون السني على أنه مهزوم، فكانت النتيجة انهيار الدولة بالكامل وانفجار “ثورة 17 تشرين” التي ما لبثت كذلك أن أُجهضت، ولكن هذه المرة بقوة السلاح.

اليوم يريد البعض في لبنان – وبالممارسة، بغضّ النظر عن الكلام المعسول – أن يتعامل مع الطائفة الشيعية على أنها مهزومة ويريد تدفيعها ثمن مغامرات حزب الله وأخطائه في لبنان والإقليم، في حين أن الطوائف كلها كانت ممثّلة في “حكومات حزب الله” بغضّ النظر عن مدى تأثيرها. وهو ما يؤكد أننا كلبنانيين – ولا نبرّئ هنا أي طرف – لم نتعلم شيئاً من كل التجارب التي مررنا بها أقله على مدى نصف قرن من الحروب والمآسي التي خلّفت كوارث ونكبات على الجميع دون استثناء، بحيث خسرت الطوائف بعضاً من أغلى رجالها وبنيها ومقدّراتها. والدليل هو ما يمر به لبنان اليوم، بغض النظر عن مدى مسؤولية كل طائفة عمّا وصل إليه الوضع.

من هنا وجب على الجميع الاصطفاف وراء الدولة – بما لها وما عليها – بعد أن جرّبنا كل الأساليب الأحادية وفشلنا، فالدولة هي المخوّلة تقدير مصالح البلد والناس في مثل هذه الظروف الدقيقة والصعبة التي نعيشها، وليس الوقت مناسباً للسجالات والمشاحنات السياسية المعتادة والمكابرة من الجانبين التي لا تُسمن ولا تُغني عن جوع في المنعطفات التاريخية التي تعيشها الدول والشعوب وتهدد وجودها ومصيرها. فلكل مقامٍ مقال، والمقام اليوم بحاجة إلى مقال جديد وممارسة سليمة… فهل من يستجيب؟

شارك المقال