تواجه إحدى العجائب الطبيعية الأيقونية المرتبطة بشتاء اليابان تهديداً متزايداً، لكن العلماء والسكان المحليين يعملون على إحيائها.
في كل شتاء، تتحوّل المنحدرات العليا لجبل زاو في شمال اليابان – أحد أشهر مناطق التزلج في البلاد – إلى مشهد آخر. أشجار التنوب المغطاة بالصقيع والثلج الكثيف تنتفخ لتصبح أشكالاً شبحية تُعرف باسم “جوهيو” أو “وحوش الثلج”.
تتشكّل الـ”جوهيو” فقط في ظروف جوية نادرة للغاية، عندما تحمل الرياح الشتوية القوية والمستمرة قطرات ماء فائقة التبريد تتجمد عند ملامستها لأشجار الـ”آوموري تودوماتسو” دائمة الخضرة، مُكوّنةً طبقات من الجليد المتساقط.
في جبل زاو، تظهر هذه التشكيلات خلال رياح غربية مستمرة تصل إلى 26 متراً في الثانية، مع درجات حرارة سطحية بين 6.3- تحت الصفر و0.1- تحت الصفر، إضافة إلى محتوى مائي غيمي مرتفع على نحو غير مألوف. تحت هذه الظروف الدقيقة، يزداد تراكم الجليد على الجهة المواجهة للريح مشكّلاً حواف متراكبة تُسمّى “ذيول الروبيان”، وهي ما يمنح التشكيلات مظهرها الفريد.
يقول فومي تاكا ياناغيساوا، أستاذ الكيمياء الجيولوجية الفخري الذي يدرس الـ”جوهيو” في جامعة ياماغاتا: “لأن مثل هذه الظروف الجوية والبيئية الدقيقة لا تجتمع إلا في أماكن قليلة جداً، فإن وحوش الثلج في زاو ظاهرة شبه فريدة في شمال اليابان”.
تمثّل الـ”جوهيو” أبرز عوامل الجذب الشتوية في منطقة زاو، التي تستقطب عشرات آلاف الزوار سنوياً.
لكن أبحاثاً حديثة تشير إلى أن هذه الوحوش بدأت تنحف.
في آب 2025، أعلن فريق بقيادة ياناغيساوا نتائج بحث اعتمد على تحليل صور التُقطت من الزاوية نفسها منذ عام 1933. قاس الباحثون سماكة التشكيلات على مقياس من ست درجات. وتشير النتائج (غير المنشورة بعد في مجلة علمية) إلى تقلّص واسع في حجم الـ”جوهيو”.
يقول ياناغيساوا: “في ثلاثينيات القرن الماضي، كانت الـ’جوهيو’ بعرض خمسة إلى ستة أمتار، أما بعد الحرب فبات عرضها بين مترين وثلاثة. منذ عام 2019، أصبح كثير منها بعرض نصف متر أو أقل. وبعضها مجرد أعمدة بالكاد”.
السبب مزدوج: مناخ يزداد دفئاً، وغابة تتعرّض للهجوم. فقد أصيبت شجرة الـ”تودوماتسو” بانتشار فراشات في 2013 أدّى إلى نزع أوراقها. ثم تلا ذلك انتشار خنافس القلف في 2015، فهاجمت الجذوع الضعيفة. وتفيد السلطات في ياماغاتا أن نحو 23 ألف شجرة – أي خمس الغابة تقريباً – قد نفقت. ومع تقلّص الأغصان والأوراق، لم يعد هناك سطح كافٍ لتشبّث الثلج والجليد.
إلى جانب ذلك، أظهرت دراسة في 2019 أن درجات الحرارة في مدينة ياماغاتا المجاورة ارتفعت بنحو درجتين مئويتين في شتاء الأعوام الـ120 الماضية. وُجد أيضاً أن الحد الأدنى لارتفاع تشكّل الـ”جوهيو” بات أعلى مع الاحترار، وأن مدة بقائها في العام قد تقلّصت.
يقول أكيهيكو إيتو، المتخصص في الغابات وتغير المناخ في جامعة طوكيو: “مناظر طبيعية فريدة بدأت فعلياً تُفقد بسبب تغير المناخ”.
وتُظهر الأبحاث أن المناخ الأكثر دفئاً والأحوال الجوية المتطرفة يسببان ضرراً لعديد من غابات الجبال اليابانية. “التغيّرات الموسمية في الربيع والخريف قد تضر بالأوراق، وتزداد أيضاً موجات انتشار الحشرات. هذه الضغوط قد تُضعف نمو الغابات وكثافتها”، يقول إيتو.
ويوضح أنه في حال استمرار تغير المناخ، “فقد يصبح من الممكن ألّا تتشكل الـ’جوهيو’ مطلقاً في بعض فصول الشتاء الأكثر دفئاً بحلول نهاية هذا القرن”.
هذا التهديد دفع إلى التحرّك عبر ياماغاتا. ففي آذار 2023، أطلقت المحافظة “مؤتمر إحياء الجوهيو” – وهو مجلس دائم يجمع الباحثين والمسؤولين ورجال الأعمال والسكان لتنظيم جهود طويلة الأمد لإحياء غابات التنوب والحفاظ على وحوش الثلج.
الـ”جوهيو” ليست منظراً طبيعياً فحسب، بل ركيزة للاقتصاد المحلي. يقول غينجي أكيبا، نائب مدير جمعية زاو أونسن السياحية: “تدفق السياح يدعم الفنادق والمطاعم ومحلات الهدايا. اختفاء الجوهيو سيكون ضربة كبرى”.
تقول يوكي هونما، خبيرة المحافظة في الحماية البيئية: “الإحياء هو رغبة قوية لدى السكان”. فمنذ 2019، نقلت المكاتب الحرجية أكثر من 190 شتلة نمت طبيعياً من السفوح الدنيا إلى منطقة القمة قرب محطة التلفريك. وتضيف: “تحتاج هذه الأشجار إلى 50–70 عاماً لتصبح ناضجة، لذا يتطلب الأمر استمرارية وحماية عبر الأجيال”.

في مدينة موراياما، على بعد 20 كلم شمال غربي زاو، بدأ طلاب مدرسة تقنية يدرسون علوم الغابات والبيئة مهمة إحياء هذه الأشجار.
فمنذ 2022، يقوم الطلاب بزراعة تودوماتسو ودراسة طرق إكثاره وحمايته. يرافقون خبراء الغابات لجمع شتلات صغيرة من جبل زاو لإعادتها إلى المدرسة وإجراء الأبحاث عليها، بما في ذلك إكثارها عبر القصاصات وإنتاج الشتلات بطريقة فعالة.
تقول الطالبة رين أويزومي: “كان الأمر صعباً. عندما نمت البذور التي زرعناها بعد أمطار غزيرة، شعرت بالارتياح، لكن كان مؤلماً أن نجد أن بعض الحقول تعرضت للتخريب بسبب الفئران التي أكلت البراعم الصغيرة”. وقد أظهرت تجارب أولية على فصائل قريبة نجاحاً في الإنبات.
وتروي كانّون تانيآي أنها شاهدت المزيد من الأشجار الساقطة والميتة كلما صعدت مع زملائها نحو القمة في تموز 2024. وتقول: “شعرت بالحزن. زراعة الشتلات عمل شاق، لكننا نريد أن نفعل ما نستطيع لإعادة الحياة إلى زاو”.
بالنسبة لتانيآي، حماية الجوهيو تعني تسليم إرثها إلى الجيل القادم. وتقول: “تُسمّى وحوش الثلج لأن لا شيء يشبهها. أريد للعالم أن يراها، وأن يشعر بمدى تفرّد الطبيعة اليابانية”.
المصدر: BBC




يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.