مدنيٌّ على رأس الميكانيزم… والدولة تستعيد زمام الجنوب

جو رحال

في تطوّر سياسي–أمني لافت يعيد رسم معادلات الجنوب، شهدت الناقورة اليوم اجتماعًا استثنائيًا للجنة “الميكانيزم” برعاية قوات “اليونيفيل”، لكنّ الحدث الحقيقي لم يكن في تفاصيل النقاشات التقنية، بل في القرار الجريء الذي اتُّخذ: تعيين السفير السابق سيمون كرم رئيسًا للوفد اللبناني، ليكون أول مدني يتولّى قيادة هذا المسار منذ إنشائه. خطوةٌ تحمل توقيع رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، وتشكّل انتقالًا واضحًا من منطق إدارة الأزمة إلى منطق استعادة الدولة دورها السيادي في ملف الحرب والسلم.

هذا التحوّل لم يكن شكليًا، بل أعاد التموضع السياسي للبنان داخل آلية التفاوض. فاختيار مدني لقيادة الوفد يعكس إرادة واضحة بأن تتحدث الدولة بصوتها المؤسسي لا بصوت الميدان، وأن تنتقل من المقاربة العسكرية الضيقة إلى مقاربة سياسية–قانونية شاملة تستند إلى الشرعية الدولية. إنّه إعلان صريح بأن لبنان يدخل التفاوض بصفته دولة تمتلك قرارها، لا طرفًا ردّ فعل على التطورات الحدودية.

وزاد الاجتماع أهميةً مشاركة شخصيات مدنية من الجانبين، وحضور الموفدة الأميركية الخاصة إلى الشرق الأوسط، ما منح “الميكانيزم” طابعًا سياسيًا جديدًا يتجاوز كونه منصة مراقبة للخروقات. النقاشات توسّعت لتشمل نقاط الاحتكاك، آليات خفض التوتر، الخرائط الحدوديّة، وإمكان ربط الاستقرار الأمني بمشاريع إنمائية في الجنوب في حال استُكملت الهدنة. هكذا باتت الناقورة مختبرًا لترتيبات ما بعد وقف النار، لا مجرّد غرفة عمليات لمتابعة الخروقات.

اختيار السفير كرم لم يكن تفصيلاً إداريًا، بل رهانًا استراتيجيًا. الرجل صاحب خبرة واسعة في العلاقات الدولية، ويملك قدرة على مخاطبة الأميركيين والأمم المتحدة بلغة سياسية–قانونية رصينة، ما يعزّز قوة الموقف اللبناني ويمنحه قدرة على تحويل الهواجس الأمنية إلى مفاهيم قابلة للتفاوض. من خلاله تستعيد الدولة زمام المبادرة على الطاولة، وتعيد تأطير النقاش وفق مصالحها.

داخليًا، يساهم هذا التعيين في إنهاء الجدل حول الجهة المخوّلة التفاوض، عبر تثبيت الملف في رئاسة الجمهورية ومن خلال شخصية مدنية تعكس التوجّه الرسمي. وهذا يعيد توحيد الخطاب الوطني، ويُخرج الملف من التجاذبات، ويمنح الدولة موقعًا قياديًا واضحًا في إدارة الحدود الجنوبية.

ومكاسب هذا التحوّل للبنان قد تكون كبيرة:
• تكريس حصرية قرار الحرب والسلم بيد الدولة.
• تعزيز القدرة على ضبط الخروقات ومنع الانزلاق نحو تصعيد غير محسوب.
• فتح الباب أمام مشاريع دولية لإنماء الجنوب مشروطة بتثبيت الهدوء.
وهي مكاسب تحتاجها منطقة دفعت ثمنًا باهظًا من الاستقرار والتنمية.

لكن الطريق ليس معبّدًا بالكامل. فالاعتداءات الإسرائيلية المتكرّرة قادرة على إفشال أي تقدّم، كما أن ارتباط الجبهة الجنوبية بالتحوّلات الإقليمية يفرض على لبنان إدارة الملف بدقّة وواقعية. نجاح هذا المسار يظلّ مشروطًا بغطاء سياسي داخلي واسع يؤمّن استمراريته وسط الانقسامات التقليدية.

ضمن هذا المشهد، فتحَ الرئيس العماد جوزاف عون، وبالتشاور مع رئيس مجلس النواب نبيه بري، بابًا سياسيًا جديدًا عبر تسمية السفير كرم لقيادة الوفد اللبناني. خطوةٌ تأتي في لحظة إقليمية دقيقة، وقد تساهم في رسم مسار يثبّت وقف النار، أو على الأقل يؤجّل الحرب ويرفع منسوب الأمان على الحدود.

وفي مستهلّ جلسة مجلس الوزراء التي انعقدت بعد ظهر أمس في قصر بعبدا، تناول الرئيس عون نتائج اجتماع الميكانيزم، مشيرًا إلى أن اللقاء كان إيجابيًا، كما أن ردود الفعل عليه “يجب استثمارها لإبعاد شبح الحرب الثانية عن لبنان”. وأكد أن لغة التفاوض يجب أن تسود بدل لغة الحرب، مع التشديد على عدم التفريط بسيادة لبنان. وأوضح أنّ التوجيهات التي نقلها مع رئيس الحكومة الدكتور نواف سلام إلى السفير كرم ترتكز على وقف الاعتداءات، الانسحاب من النقاط المحتلّة، ترسيم الحدود، وإعادة الأسرى، “وليس أكثر من ذلك، مهما قيل أو يُقال”.

بهذا المعنى، تبدو الناقورة اليوم أكثر من اجتماع تقني. إنّها إعادة رسم لدور الدولة اللبنانية، محاولة لالتقاط لحظة دولية مؤاتية، ومسعى لتثبيت الاستقرار عبر مقاربة سياسية متوازنة تعيد للبنان بعضًا من قدرته على المناورة. وإن نجح هذا المسار، فقد يشكّل التحوّل الأهم في إدارة الجنوب منذ عقود، ويفتح الباب أمام مرحلة تُدار فيها الحدود بقرار وطني جامع لا بعوامل الأمر الواقع.

شارك المقال