في لحظة سياسية دقيقة يعيشها لبنان والمنطقة، حملت زيارة الرئيس جوزاف عون إلى سلطنة عُمان بُعدًا استراتيجيًا يتجاوز البروتوكول والرسميات.
فالاستقبال الحافل الذي أقيم في قصر العلم— بعروض حرس الشرف، والتحية المدفعية، والخلوة المباشرة مع السلطان هيثم بن طارق—لم يكن مجرد تعبير عن حفاوة، بل إشارة واضحة إلى أن بيروت استعادت مكانًا مركزيًا في المعادلة الخليجية بعد سنوات من التباعد والارتباك السياسي.
الزيارة جاءت في توقيت بالغ الأهمية بالنسبة إلى لبنان، الذي خرج حديثًا من مرحلة اضطرابات حدودية، ويسعى إلى استثمار انتخاب رئيس جديد للجمهورية كمدخل لإعادة بناء الثقة العربية والدولية بالدولة ومؤسساتها. وبالنسبة إلى الرئيس عون، فإن تثبيت حصرية السلاح بيد الشرعية، وإطلاق إصلاحات مالية واقتصادية فعلية، وإعادة وصل ما انقطع بيروتيًّا وعربيًّا، يشكّل عناصر ثابتة في مشروعه السياسي. وعليه، لم تكن مسقط محطة بروتوكولية، بل اختيارًا مدروسًا ينسجم مع رؤية الرئيس لدور لبنان الجديد.
فالعاصمة العُمانية، بخلاف كثير من العواصم، ليست جزءًا من اصطفافات حادة، بل لاعب محوري يتميز بقدرته على بناء الجسور وحفظ التوازنات. علاقات عُمان المتوازنة مع الخليج وإيران وواشنطن، إضافة إلى خبرتها الطويلة في الوساطات الهادئة من اليمن إلى الاتفاق النووي، تمنحها موقعًا فريدًا في الإقليم. من هنا، فإن زيارة عون تحمل رسالة مزدوجة: لبنان يريد العودة إلى بيئته العربية من بوابة دولة لا تصنع الضجيج بل النتائج، ويبحث عن شراكة خليجية قائمة على الثقة والاستقرار لا على الإملاءات والتجاذبات.
خلال المحادثات الثنائية والموسّعة، أظهر البيان المشترك رغبة واضحة في إطلاق مسار تعاون جديد يشمل الاستثمار، النقل، الخدمات اللوجستية، السياحة، والقطاع المصرفي. وهذه القطاعات ليست عناوين عامة، بل حاجة لبنانية مباشرة مرتبطة بإعادة تأهيل البنى التحتية، وتفعيل المرافئ والمطارات، وتنشيط حركة التجارة، وإعادة بناء الثقة بالقطاع المالي. وقد بدت عُمان مستعدة، وفق المؤشرات الأولية، للانخراط في مشاريع نوعية طويلة الأمد، خصوصًا في مجال اللوجستيات والموانئ والطاقة النظيفة—وهي مجالات تمتلك فيها السلطنة خبرات واسعة يمكن أن تشكّل رافعة حقيقية للاقتصاد اللبناني.
أما سياسيًا، فقد أكّد الرئيس عون خلال الزيارة أن لبنان ثابت في خياره السيادي، وأن الدولة هي المرجعية الحصرية في القرارات الأمنية والدفاعية، وأن العودة إلى محيطه العربي ليست شعارًا بل مسارًا متدرّجًا تُبنى عليه شراكات طويلة الأجل. بهذا المعنى، شكّلت مسقط حلقة مكملة لمسار خليجي بدأ من الرياض مرورًا بالكويت، حيث ظهرت إرادة عربية واضحة في دعم مؤسسات الدولة اللبنانية وتوفير مظلة إقليمية لاستقرارها.
ولم تخلُ الزيارة من بعدها الرمزي. فالعشاء الرسمي الذي أقيم على شرف الرئيس عون، والمشهد الثقافي الذي رافقه، أعادا التذكير بلبنان الذي عرفته دول الخليج: بلد الانفتاح والإبداع، وبلد الدور لا الدمار، والرسالة لا الأزمة. هذه الرمزية ليست تفصيلًا؛ فهي جزء من معادلة إعادة بناء الصورة اللبنانية عربيًا، وهي عنصر أساسي في أي عملية استقطاب استثماري أو سياحي في المرحلة المقبلة.
في المحصلة، شكّلت زيارة الرئيس جوزاف عون إلى سلطنة عُمان محطة تأسيسية في إعادة تموضع لبنان عربيًا واستراتيجيًا. فهي زيارة حملت رسائل سياسية، وأعادت فتح قنوات اقتصادية، ورسمت إطارًا جديدًا لعلاقات تُبنى على الاحترام المتبادل والاستقرار والتعاون العملي. النجاح الفعلي سيكون في قدرة بيروت على ترجمة هذه المناخات إلى خطوات ملموسة: استثمارات، إصلاحات، وتماسك مؤسساتي يعيد للبنان موقعه الطبيعي على خريطة المنطقة. لكن المؤكد أن رحلة عون إلى مسقط لم تكن مجرد محطة، بل بداية لعودة لبنان إلى دوره كدولة سيادة وشريك عربي كامل المواصفات.


