انشغل العالم لفترة طويلة بتداول مصطلح “الشرق الأوسط الجديد”، وأُجريت أبحاث ودراسات وتحليلات لا حصر لها، رُبِطت جميعها بما شهدته المنطقة من أحداث وتطورات وفق هذا المصطلح. وبالمناسبة، كان شيمون بيريز -الذي زجّ بنفسه مع رابين في اتفاقات أوسلو- هو من يقف وراء هذا المصطلح، وبعدها كرّت المسبحة!
بعد اتفاقات أوسلو التي نال موقِّعوها جائزة نوبل للسلام مناصفةً بين رابين وبيريز من جهة، وياسر عرفات من جهة ثانية، قُدِّم اتفاقُ أوسلو بوصفه مفتاحًا للشرق الأوسط الجديد، الذي سيودّع الحروب والعنف ليحلّ محلها سلامٌ دائم، تنعم بموجبه شعوب المنطقة —وفي طليعتها الشعب الفلسطيني— بتنمية مستدامة حُرِم منها عقودًا من الزمن.
لم يمضِ وقت طويل من عمر هذا “الشرق الأوسط الجديد” حتى بدأ مشروع أوسلو بالانهيار وبوتيرة متسارعة، حيث تهاوت معه كل الأحلام الوردية، وقُضي عليها تمامًا برحيل من تقاسموا جائزة نوبل “للسلام”.
بعدها طُويت صفحة “الشرق الأوسط الجديد” بصورتها الإيجابية، ليحلّ محلها شرقُ أوسطٍ تملؤه الحروب، ويبدو أنها حروب طويلة الأمد، فاق دمارُها التصوّر، سواء في فلسطين أو في لبنان.
وفي خضم هذه الأحداث المشتعلة، جاء ترامب الذي استبشر به العالم خيرًا حين تعهّد بإنهاء الحروب في عهده؛ إلا أنه، ومنذ يومه الأول في البيت الأبيض، نكث بوعوده، فاستمرت الحروب وتصاعدت وتيرتها، بل وزادت قساوة بعدما أضاف ترامب صراعات جديدة امتدّت من انخراط أميركا في حروب الشرق الأوسط إلى تدخلاتها في أميركا الجنوبية —بدءًا بفنزويلا— وصولًا إلى قضية غرينلاند وادعاء حتمية ضمّها إلى الولايات المتحدة حربًا أو سلمًا!
كنا في معضلة الشرق الأوسط وأوروبا التي تقاتل على جبهة واحدة، فأصبحنا في معضلة العالم بأسره؛ الأمر الذي يُلغي مشروعات الشرق الأوسط، القديم والجديد، ويُسقط كل الدراسات والتحليلات والفلسفات الناتجة عنه، ليضع العالم أجمع أمام مشروع ترامب الجديد…
والخلاصة هنا تتعلّق بالقضية الفلسطينية وتوابعها المستجدّة؛ فبالرغم من كل شيء، ما زال الفلسطينيون يملكون في قلوبهم وعقولهم ما يُخيف إسرائيل حقًا؛ ليس السلاح ولا الصواريخ ولا الأنفاق والمُسيّرات، وإنما بقاءٌ يتجذّر مع مطلع كل شمس فوق أرض الوطن، وقدرةٌ متجددة على مواصلة الحياة فيها وتحريم الهجرة منها. لقد أكّد الفلسطينيون أنهم قادرون على حماية بقائهم وصمودهم، واستحالة استسلامهم للجيش الإسرائيلي، ولا لـ “فتيان التلال” (ميليشيا المستوطنين)، ولا لرعونة وحقارة سموتريتش وبن غفير، اللذين يحملان كرة النار ويتنقّلان بها من أقصى الجنوب إلى باحات الأقصى، وصولًا إلى طوباس في الشمال الفلسطيني.
وبين الحقيقي والمفتعل على الجبهة الفلسطينية، يتجلّى الحقيقي في البقاء الفلسطيني على الأرض، بينما المفتعل هو تلك الجبهات التي يُبالَغ في الحشد لها، والتي لن تغيّر من الحقيقة الأقوى والأعمق شيئًا؛ تلك الحقيقة التي لن يجد فيها إسرائيل ولا ترامب مكانًا لأحلامهما. إن كل كلام خارج هذا الإطار ليس إلا هراء؛ لأن الحديث عن بقاء الشعب الفلسطيني على أرضه حديثٌ له أنيابٌ مفترسة!


