لم يتعافَ الطرابلسيّون بعد من صدمة انهيار مبنى التبانة الأخير، لأنّهم يُدركون تمامًا أنّ هذه الحادثة لن تكون الأخيرة، ففي ظلّ وجود أكثر من 600 مبنى بحاجة إلى ترميم ودعم، وأكثر من 105 مبان تستوجب الإخلاء الفوريّ دون توفير أيّ مأوى بديل، ومع غياب الأرقام الرسمية الدقيقة التي قد تُبطل الداتا التي تُنشر إعلاميًا، وعدم إجراء مسح شامل وجديد يُحدّد حجم المشكلة وأبعادها الحقيقية، تستمرّ معاناتهم مع هذا الملف الذي فتح جُرحًا لا يُنسى.
وبعد دفن جثث الضحايا الذين تتكشّف قصصهم المؤلمة الواحدة تلو الأُخرى على لسان ذويهم المفجوعين برحيلهم المفاجئ، يكفي أنْ يطّلع المعنيّون على وضع أهالي المدينة الذين لجأوا إلى “فيسبوك” ومجموعاته لنشر صور منازلهم وشرفاتهم المتهالكة، ويتساءلون: “البلدية لا تتجاوب معنا، ولا قدرة لدينا على طلب مهندس متخصّص، هل يُمكنكم مساعدتنا في تأكيد تآكل المبنى أو خطورته كما تبدو في الصور؟”.
ويفرض هذا الواقع المرير الذي تُواجهه المدينة المنكوبة (في ظلّ غياب أيّ مسح شامل للمباني، وهو ما خلق أجواء من التوتر المتصاعد منذ ساعات بسبب تهديد أكثر من مبنى بالسقوط في وقتٍ واحد، ممّا استدعى إخلاء المواطنين في مناطق عدّة وهي: باب الرمل، ساحة النّجمة، جسر نهر أبو علي، والقبّة)، حالة من السخط. وفي مشهدٍ مؤرق يعكس حجم الإهمال، لجأ سكّان القبّة وتحديدًا في شارع ابن سينا، إلى افتراش الطريق العام للنّوم في خيمٍ مؤقتة، وذلك لغياب أيّ مأوى بديل لهم بعد إخلاء المباني من قبَل شرطة بلدية طرابلس.
وبعد جلسة طارئة عُقدت في السراي الحكومي خُصّصت لملف المباني المهدّدة في طرابلس، والتي أسفرت عن قرارات بإخلاء جميع المباني الآيلة للسقوط، وتأمين مراكز إيواء، وضمّ العائلات المتضرّرة لبرنامج “أمان” وتوفير الرعاية الصحية لهم، توجّه وفد من أعضاء بلدية طرابلس وفعاليات إدارية ودينية إلى قصر بعبدا للقاء رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون.
وخلال اللقاء، أطلع الوفد الرّئيس عون على حجم الكارثة في المدينة وحاجتها للدّعم المالي، مؤكّدًا أنّ الرّئيس عون لم يتردّد في إجراء الاتصالات اللازمة داخليًا وخارجيًا ومع الصناديق لتأمين الدّعم الممكن. كما أثنى الوفد على جدّية سلام وعون في متابعة الموضوع، داعيًا “كلّ من يستطيع المساعدة إلى عدم التردّد”.
الرفيق
إزاء هذه الحقيقة الملموسة والمؤلمة، يستذكر الطرابلسيّون المجروحون اليوم الرّئيس الشهيد رفيق الحريري، الذي وَعد ووفى بعد حربٍ أهلية فتكت بالبلاد ودمّرتها، وتمكّن بعد مرحلة ظرفية قاسية للغاية، من إعادة إعمار ما دُمّر، إذْ لم يأتِ لقب “رجل الإعمار” من فراغ، بل كان نتيجة جهود مضنية جعلته قائدًا لا يُنسى، ولم يغفل الطرابلسيّون عنه في هذه اللحظات العصيبة التي يمرّون بها في زمن الانهيار الذي يكشف حجم “الاستلشاق” بحياة وحقوق المواطن.
ولم يكن هذا الإهمال الذي حلّ بطرابلس خافيًا على الشهيد، بل كان يسعى، وبشهادة كبار الطرابلسيين وفعاليات المدينة، لإطلاق مشاريع في المدينة تمامًا كما فعل في بيروت، لكن بعض النّافذين في طرابلس، كان يحتكر المدينة ووضعها في تلك الفترة ويخشى سحب “السجادة الانتخابية” من تحت أقدامه، فعرقل جهود إعادة الإعمار، ممّا أبقى المدينة “رهينة الدّمار” الذي لازمها حتّى اليوم، وأدّى إلى انهيار المباني في غياب الترميم أو أيّ مبادرة إنمائية تُؤمّن فرص عمل أو تفتح أبواب السياحة في عاصمة الشمال.
إنّ السياسيين الذين اعتبروا الحريري منافسًا لهم، لم يُقدّموا “قشّة” تُذكر للمدينة، وحاولوا ضرب “همّته” وإحباط طموحه عبر انتقاد مشاريعه التنموية، السياحية والاقتصادية، خوفًا من توسّع نفوذه السياسيّ المتصاعد والسريع، والذي التفّ حوله المواطنون، خصوصًا الطرابلسيين بتعلّق وجدانيّ راسخ لم يتغيّر، ولم يتمكّن أيّ سياسيّ آخر من الوصول إلى هذه المكانة في لبنان، لا سيّما مع ثقة أبناء المدينة به وتطلّعهم لمبادراته بعد تدهور مؤشرات مدينتهم الإنمائية، والتي كان أبرزها مؤتمر “إنماء طرابلس” الذي عُقد في السراي الحكومي بتاريخ 25 أيلول العام 2002، بحضور 350 مشاركًا وتضمّن 47 مشروعًا بتكلفة إجمالية تُقارب الـ 120 مليون دولار.
وعلى الرّغم من الانتقادات التي واجهها المؤتمر حينها، والتي صدرت عن الجهة نفسها التي تُطالب الحكومة اليوم بالاستقالة في ظلّ ظرفٍ صعب، رأت مصادر من المدينة، أنّ المؤتمر كان ناجحًا، لكنّه افتقر إلى توافقٍ طرابلسيّ غاب عن الرّئيس عمر كرامي الذي اعتبر أنّ مشاركته في المؤتمر كانت اعتيادية لكونها مرتبطة بطرابلس، لكنّه صرّح حينها: “أنا من الأشخاص الذين لم يُؤمنوا بهذا المؤتمر، لأنّنا لا نحتاج إليْه لتعريف حاجات المدينة، لكنّنا قرّرنا أنْ نكون إيجابيين إلى أقصى الحدود ونتعاون معكم، آملين بأنْ يكون المؤتمر بارقة أمل لكلّ طرابلسيّ يشعر بالغبن”، وفي تصريحات أُخرى له، أوضح كرامي أنّه لم يتوقّع خيرًا من هذا المؤتمر، قائلًا: “هناك مشاريع تحتاج الى تمويل، فلتتفضّل يا دولة الرّئيس، وقل لنا كيف ستُؤمّن التمويل، وهناك مشاريع ليست بحاجة إلى مال، وكان جوابه علينا بأنّه سيُخصّص (لإنماء باب التبانة) في أوّل جلسة لمجلس الوزراء عشرة ملايين دولار، وتكلفة مشروع بلدية طرابلس الذي قدّمته لتأهيل المنطقة تزيد عن مبلغه أساسًا…”، ومن هنا، استُكملت مرحلة “وضع العصي على الدواليب” وإيداع الملف في الأدراج لغياب أيّ توافق مثمر، خصوصًا في مدينةٍ كان يُدرك الحريري نفسه أنّ الاستثمار فيها كان سيُشكّل “صفقة مربحة” اقتصاديًا.
ومع قرب حلول ذكرى استشهاد “الرّفيق” هذا الشهر، يرى أهالي المدينة أنّه كان رجل الدّولة الوحيد، الذي وقف إلى جانب كلّ أبناء الوطن دون تمييز، وتمكّن من تحقيق إعادة الإعمار وجذب المشاريع والمستثمرين دون أيّ منّة ومن دون أيّة عراقيل تعترض وتتصدّى لأفكاره، على عكس ما يفعله القائمون على سياستها اليوم.


